وجهتان امام العراق.. إما سنغافورة أو لبنان

اسرار ميديا / اسيا تايمز فيصل اليافعي وفق قول الثالثة ثابتة، هكذا حالف الحظ مصطفى الكاظمي، اذ ان رئيس الوزراء العراقي الجديد هو المرشح الثالث الذي يطرح في غضون عدة أشهر. ولم يتمكن أي […]

اسرار ميديا اسيا تايمز

فيصل اليافعي

وفق قول الثالثة ثابتة، هكذا حالف الحظ مصطفى الكاظمي، اذ ان رئيس الوزراء العراقي الجديد هو المرشح الثالث الذي يطرح في غضون عدة أشهر. ولم يتمكن أي من الآخرين من تشكيل الحكومة.

تعيين الكاظمي أمر حاسم لتحقيق الاستقرار في بلد هزته الاحتجاجات الجماهيرية ووباء كورونا. ولكن برغم أن تعيينه اعقب رئيس وزراء حكومة تصريف أعمال منذ نحو ستة أشهر، فانه بعد مجيء الكاظمي وفي غضون شهر من تنصيبه وقع حدثان مهمان.

الأول هو دمج مجموعات شيعية مسلحة من قوات الحشد الشعبي في الجيش العراقي. والثاني هو مواجهة المحاصصة، اي النظام السياسي الطائفي الذي أفسد تطور العراق بعد الحرب. حيث ستحدد كلتا القضيتين زمن بقاء الكاظمي في منصبه. الذي كانت خياراته ضيقة ”اما تشكيل الحكومة من قبله أو تشكيلها من قبلهم“.

وفي خضم كلا الخيارين، شهدت الأسابيع الأربعة الماضية بداية تفكك المجموعات المسلحة، اذ انشقت أربعة فصائل عن مظلة الحشد الشعبي في الشهر الماضي واصبحت تتحرك تحت قيادة رئيس الوزراء. وفي اليوم التالي لهذا الحدث، وفي غضون الايام اللاحقة، دعا وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو العراق إلى التخلي عن المحاصصة الطائفية، مرددًا ما طالب به المتظاهرون لشهور.

لقد جرى وضع النظام السياسي الطائفي في العراق بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 ليوزع السلطة بين السنة والشيعة والكورد. وقد ادى ذلك النظام إلى انقسام مستمر بين المجتمعات ومنع المجتمع من التشكل على الهوية الوطنية.

لم يك ذلك مفاجئًا لواضعي النظام ولأولئك الذين يعيشون معه، لأن لبنان مثلا كان لديه نظام مماثل منذ الميثاق الوطني لعام 1943. وفي بلاد الشام، خلقت نفس الطائفية والفساد وانعدام الهوية الوطنية، وجرى توفير فرص للتدخل الأجنبي.

في تشرين الاول الماضي اندلعت في العراق احتجاجات واسعة النطاق ضد النظام المتشكل، وضد نتائج الفساد المستشري، وأطاحت الاحتجاجات برئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي في كانون الاول، وعادت مظاهر الاحتجاجات في منتصف أيار الجاري بعد توقف دام شهرين بسبب جائحة كوفيد 19، ولن يكون من السهل احتواءها وبخاصة الآن بعد أن حصلت من واشنطن على دعم ضمني.

وفي جدل سياسي، قبل أن يتمكن الكاظمي من تشكيل الحكومة ، قام بومبيو، كبير الدبلوماسيين الأمريكيين، بتدخل بسيط ولكن واضح، قائلاً إن على القادة العراقيين “وضع نظام المحاصصة الطائفي جانباً وتقديم تنازلات تؤدي إلى تسريع تشكيل الحكومة”. وفي الحقيقة كانت الملاحظات – بلا شك عمدا – غامضة، اذ عرضوا الدعم الكافي لجزء مما طالب به المتظاهرون من دون دعمهم بشكل صريح. واقترحوا بدلا من ذلك إضعاف نظام الحصص الطائفية في هذه الحالة من دون التخلي عنه تمامًا.

ومع ذلك ، كانت تعليقات بومبيو هي المرة الأولى التي ابتعدت فيها الولايات المتحدة علنًا عن النظام الذي أنشأته، وازداد حماس واشنطن لدعم إصلاح أكثر تمثيلا. ويجب أن تكون الأولوية الأولى للكاظمي هي اختبار هذا التغيير.

وكان انقسام مجموعات الحشد الشعبي لحظة محورية؛ لأن ما يجب فعله بالفصائل الأربعين في الحشد الشعبي كان مشكلة دائمة للقادة العراقيين منذ عام 2017، عندما هزم تنظيم (داعش) في النهاية في الموصل.

وتمول عدد من المجاميع المسلحة ببذخ، بدعم إيراني، ولديها نفوذ في السياسة العراقية، وقد حاول رؤساء الوزراء المتعاقبون إعادة تنظيمهم أو دمجهم في الجيش الوطني. وقبل أقل من عام بقليل، أمهل عبد المهدي المجموعات المسلحة 30 يومًا للاندماج في الجيش الوطني ، وهو موعد نهائي جاء وذهب من دون نتيجة.

لذا فإن قرار أربعة فصائل في نيسان الماضي بالانفصال والتحرك تحت قيادة رئيس الوزراء أمر مهم لأن الأربعة كانوا موالين لآية الله العظمى علي السيستاني، أكبر رجل دين شيعي في العراق. وكانت دعوة السيستاني عام 2014 للعراقيين لمحاربة داعش هي التي أدت إلى تطوير الحشد الشعبي في المقام الأول.

ويشير رحيلهم عن جسد المجموعات الاخرى في الحشد الشعبي إلى أن السيستاني قد سئم من عمل المجموعات المسلحة الشيعية الخارجة عن السيطرة السياسية وهو مستعد لممارسة نفوذه لتحريكها تحت سيطرة الدولة. وهنا تكمن المسألة الثانية التي يحتاج الكاظمي إلى تطبيقها: إذا كانت هناك فرصة لدعم رجال الدين الشيعة لإصلاح الحشد الشعبي، فيجب عليه أن ينتهز الفرصة.

ان تطورين متتاليين في غضون أسابيع، لا يكفيان لوحدهما لتغيير العراق. لكنهما يشيران إلى مزاج متغير بين مجموعتين قويتين، النخبة في واشنطن ومؤسسة النجف الدينية. والكاظمي، انه الآن بعد أن تولى مقاليد السلطة، لديه الفرصة للاستفادة من هذا المزاج المتغير.

وللقيام بذلك فانه بحاجة إلى إجراء حاسم، وليس تغييرا تدريجيا.

وإن التغييرات المتزايدة في النظام الطائفي والضعف المتزايد للمجموعات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة لن تنجح، إذا كان الكاظمي يفتقر الى الثقة بالنفس، فهو بحاجة فقط إلى إلقاء نظرة على لبنان، تكون فيه ميليشيا غير حكومية هي حزب الله، أقوى من الجيش الوطني، ولم يزل السياسيون غارقين في التفكير الطائفي. ان هذا ليس انموذجا يحتذى به لمستقبل العراق.

يقال هنا، إن النموذج المفضل لدى الكاظمي هو سنغافورة، اذ يحتفظ رئيس الوزراء الجديد بصورة في مكتبه ببغداد، لأول رئيس وزراء لتلك الدولة المدنية المتطورة.

لكي يصبح العراق مثل سنغافورة، يحتاج إلى التوقف عن التصرف مثل لبنان. وهذا يعني اتخاذ قرارات بعيدة المدى بالقدر نفسه، بناءً على الاحداث الآنية، اي ما حدث في هذا الشهر. وان إصلاح المحاصصة خطوة ضرورية؛ وهي في الواقع السبيل الوحيد للدولة العراقية لأن تنمي جذورا عميقة.

مواضيع ذات صلة