هل فعلا إيران حليفة أمريكا في منطقة الخليج، وانّ ما يحدث بينهما من مناوشات ليس سوى مسرحيّة؟

اسرار ميديا د. محجوب احمد قاهري كتبتُ يوم 25/04/2020 مقالا  حول التحرّش الإيراني الأمريكي المتبادل، وكيف انّ إيران، في مستوى ما كان، ارتقت قوّة وانّ أمريكا ارتقت ضعفا، حيث ستتمكّن […]

اسرار ميديا

د. محجوب احمد قاهري

كتبتُ يوم 25/04/2020 مقالا  حول التحرّش الإيراني الأمريكي المتبادل، وكيف انّ إيران، في مستوى ما كان، ارتقت قوّة وانّ أمريكا ارتقت ضعفا، حيث ستتمكّن الأولى من محاولة فرض شروطها على الاخرين، وتضطرّ الثانية الى الانكفاء لمجابهة وضعها الجديد المدمّر بسبب كورونا وانهيار أسعار النفط. الا انّه وصلتني العديد من الآراء تفيد بانّ إيران وأمريكا ليسا سوى حليفين في المنطقة، وانّ ما يحدث بينهما ليس سوى مشاهد مسرحيّة، سيئة الإخراج، تروّج لعداء وهمي بين الطرفين.

وفعليّا، فهل يمكن القول بانّ الدولتين، امريكا وإيران، حليفتان في السرّ عدوّتان في الظاهر، تعملان على تقسيم منطقة الشرق الاوسط بينهما، كما اقتسما العراق وسوريا؟

وفي اعتقادي، انّ العداء ما بين إيران وامريكا لا يخضع الى وجهات نظر، وانّما هو حقيقة كتبها التاريخ بكل وضوح، ويكتبها الحاضر بشكل أوضح منه، وللأسف لا يريد البعض الا ان يراها مسرحيّة خائبة.

عداء البلدين ليس مستجدّا، انه عداء تاريخي، لا يرتبط فقط بالثورة الإسلامية الإيرانية، ان اسبابه ابعد وأعمق من ذلك. انه عداء يرتبط مباشرة بالمصالح بين متناقضين، أمريكا التي خسرت مصالحها ووجودها في إيران بعد قيام الثورة الإسلامية، وإيران التي تقاوم حتى لا تعود أمريكا لأرضها او على حدودها.

فالحقبة القاتمة في تاريخ إيران كانت اثناء حكم الشاه محمد رضا بهلوي، من سنة 1941 الى سنة 1979، اذ حوّل إيران الى الولاية 51 لأمريكا بالشرق الأوسط، ومكّنها ممّا لا يُمكن لايّ دولة مستقلّة وذات سيادة ان تمنحه لدولة أخرى. سياسيّا، مكّن الشاه الامريكان من التدخّل في الشّؤون البرلمانيّة الايرانيّة، وأصبح بإمكانهم تعيين وتحديد دور النائب، حتى انه لا يمكنه تجاوز ما كلّف به. وعسكريّا، سمح الشاه بدخول واقامة عسكريين أمريكيين في إيران لمراقبة المصالح الامريكية والمحافظة عليها، كما مكّنها من إقامة قواعد عسكرية في شمال البلاد بالقرب من الحدود الروسية لمراقبة تحرّكات السوفييت والتجسّس عليهم. واقتصاديا، مكّن الشاه امريكا وبريطانيا من نفط إيران. كما كان الشّاه سخيّا جدّا حينما أصدر قانون الحصانة القضائية للأجانب “كابيتو لا سيون” والذي بموجبه لا يمكن مسائلة الأجانب حول الجرائم التي يرتكبونها داخل إيران.

وفي المقابل، جعلت أمريكا من الشاه رجلها القوي في الخليج، ومكّنته من البقاء في الحكم، ولأجله ولأجلها دعّمت الانقلاب العسكري على رئيس الوزراء محمد مصدق، المنتخب شرعيا، سنة 1953، الذي حاول تأميم النفط الإيراني. كما مكّنت امريكا الشاه، سنة 1957، من إقامة جهاز استخبارات سرّي قويّ، سمّاه “السافاك”، استخدمه في إستتبات امن مملكته وفي التنكيل بمعارضيه. الا انه لسوء حظّه وحظّها جاءت الثورة الإسلاميّة سنة 1979 لتفتكّ كل ذلك من أمريكا واستعادته الى الحضن الإيراني، فأصبحت المسألة جدّية والعداء، بين الطرفين، حقيقة مبنيّة على واقع ووقائع، لا على مجرّد اراء يقولها هذا او ذاك.

والوقائع التي جدّت بين الطرفين، أمريكا وإيران، هي وقائع جادّة ولا يمكن بايّ حال ان نحسبها تحالفا وعرضا مسرحيا. فالعروض الدمويّة العسكرية وقطع العلاقات الديبلوماسية لا يمكن ان تكون عروضا فرجويّة، انها بالضرورة عمل جادّ، ينمّ على عداء قويّ بين الطرفين.

في العمل المسرحي لا يمكن لإيران ان تحتجز 52 ديبلوماسيا في السفارة الأميركية، في نوفمبر 1979، لمدّة 444 يوما. ولا يمكن للولايات المتّحدة الامريكية ان تردّ على ذلك، في 25 أفريل 1980، بعملية “مخلب النسر” فتخسر طائرتين و8 جنود!

ولا يمكن لايّ عقل جادّ ان يعتقد بان تدمير مصفاتي نفط واغراق 5 مدمّرات بحريّة إيرانية في عمليّة “الإرادة القويّة” التي قامت بها القوات الامريكيّة ضدّ القوّات الإيرانيّة البحريّة، في جويلية 1987، ردّا على اصطدام ناقلة نفط كويتية ترفع العلم الأمريكي ‘بريدجستون”، كان مجرّد عرض مسرحي بين دولتين!

كما لا يمكن اعتبار تدمير ثلاثة سفن بحريّة إيرانية ومنصّتي مراقبة من طرف أمريكا ردّا على تدمير فرقاطة “ي اس اس صاموئيل”، التابعة لها، بلغم إيراني في مياه الخليج، في أفريل 1988، مجرد عمل فرجوي بين حليفين!

كما انّه ليس من المعقول ان نعتبر انّ اسقاط إيران طائرة استطلاع أمريكيّة من دون طيّار، في ديسمبر 2011، مجرّد عرض بين دولتين صديقتين.
واهمّ من ذلك كلّه، فلن تقدر قريحة أيّ مخرج مسرحيّ بان يصوّر لنا الجانب الهزلي او المسرحي في اهم عملين قذرين قامت بهما الامريكان، الأوّل اغتيال العقل المدبّر لكل العمليّات والاستراتيجيّات العسكرية لإيران في اسيا والشرق الاوسط، الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس، يوم 03 جانفي 2020، والثاني، العقوبات الاقتصادية القاتلة التي تفرضها أمريكا على إيران لكسر شوكتها ودفعها للاستسلام!

كل هذه الوقائع، وغيرها، مجتمعة، لا تسمح بأيّة فرضيّة لاعتبار انّ ما بين إيران وامريكا مجرّد عروض مسرحيّة ضمن تحالفات خفيّة. ان ما بين الاثنين عداء حقيقي وجدّي يهدف الى تحديد دور كلّ دولة وضمان مصالحها، بالرغم من انّ هذه العداء أحيانا ما يخفت فيتراءى للبعض بانّ البلدين صارا صديقين، او هم اصدقاء في الخفاء.

ويردّد البضع بانّ تأصّل صداقة الدولتين، إيران وامريكا، أدّى بهما الى اقتسام سوريا والعراق. وهو ما يكمل في نظرهم مشهد المسرحيّة التي يقومان بها. حيث تمتلك كل من أمريكا تواجد فعلي في البلدين سرويا والعراق، ويحركان المشهد السياسي والعسكري فيه.

الا ان وضع الدولتين سوريا نشأ عن معطيين هامين، الأوّل مرتبط بالوضع العربي عموما، والثاني بالصراع القائم بين إيران وامريكا. فالعرب احياء كالأموات، تركوا سوريا والعراق للمجهول، فملأ فراغهم الأقوياء. وامّا إيران فكما انّها لم ترضى بوجود الامريكان على أراضيها وطردتهم فهي لن ترضى بان يقوموا بمحاصرتها على مقربة من حدودها، ولأنّها دولة قويّة فقد دخلت للعمل الفعلي ضمن استراتيجية طويلة الامد لطرد الامريكان. وامّا أمريكا فهي تحاول البقاء في الشرق الأوسط لتغيير نظام الحكم في إيران وتحويله الى موال او اخماد عداوته مهما كلّفها ذلك. وسيستمرّ الاستنزاف بين الطرفين. وعلى ذلك لم يقتسما سوريا والعراق، وانّما عملا على تحقيق اهدافهما في فضاء فارغ من أصحابه.

في المحصلة، ليس من الحكمة في شيء بان نعتبر انّ ما يحدث بين إيران وامريكا مجرّد عروض مسرحيّة بين دولتين متحالفتين، انّه أكبر من ذلك، انّه معركة وجود بين دولتين، دولة تريد ان تتحرّر بالكامل، فيكون لها مثل ما لباقي الدول العظمى، ودولة تسعى الى تحويل وجهة دولة أخرى وتصادر قرارتها لصالحها وصالح اتباعها من الصهاينة ومن ركب مركبهم من حكام العرب.

لكن يبقى سؤالا آخر قائما، الى متى سيظلّ هذا الاستنزاف متواصلا بين الدولتين، وهل بإمكان جائحة كورونا ان تغير المشهد، فتنكفئ أمريكا على نفسها وتترك المنطقة لأصحابها؟

  • كاتب تونسي

مواضيع ذات صلة