هل تنهار السعودية … سياسة بن سلمان ترهن نفطها للاعبين الكبار

اسرار ميديا هيمنت السعودية فترة طويلة على النفط، تاركةً العالم تحت رحمة طموحاتها ومصالحها. والآن يتوجب على المملكة تحديث استراتيجيتها بما يعكس موقفها الضعيف ويواكب قواعد اللعبة التي أصبحت مختلفة […]

اسرار ميديا

هيمنت السعودية فترة طويلة على النفط، تاركةً العالم تحت رحمة طموحاتها ومصالحها. والآن يتوجب على المملكة تحديث استراتيجيتها بما يعكس موقفها الضعيف ويواكب قواعد اللعبة التي أصبحت مختلفة من جوانب عدة، حسب تقرير لصحيفة The New York Times.

فالطبيعة المتغيرة لصناعة الطاقة -ازدهار إنتاج النفط الصخري الأميركي، واستمرار انخفاض أسعار النفط الخام، وصعود الغاز الطبيعي- قلبت المعادلة الجيوسياسية.

وفي حين أنَّ السعودية ما تزال منتجاً رئيسياً للطاقة، فإنَّها يجب أن تعوض عائداتها المفقودة. والولايات المتحدة والصين وروسيا كلها تحوم حولها؛ على أمل الحصول على منفعة مالية.

احتضان السعودية

تتحرك روسيا، التي توجعها العقوبات الغربية وانخفاض أسعار النفط، لاحتضان السعودية من أجل صفقات الطاقة رغم تنافسهما في سوريا، حيث تدعم الدولتان أطرافاً متحاربة. وتسعى الصين، في ظل التراجع الحاد لإنتاجها المحلي من النفط، إلى تدفقٍ مستقر، ليس فقط للنفط السعودي؛ بل وكذلك الاستثمار السعودي في صناعاتها التكريرية والبتروكيماوية المتنامية.

وواشنطن مستعدة للتغاضي عن تلك المغازلات؛ أملاً في أن تستمر السعودية في كونها حصناً استراتيجياً ضد إيران.

تُلائم رغباتُ القوى العظمى الثلاثِ استراتيجية المملكة لإيجاد شركاء استثماريين جدد كجزءٍ من حملةٍ أوسع لتنويع اقتصادها المعتمد على النفط، وتقليص العجز الكبير في الميزانية، وتأمين مستقبل دولة الرفاهية والنظام الملكي.

يتمثل حجر الزاوية بهذا المشروع في الطرح العام الأولي لأسهم شركة الزيت العربية السعودية (أرامكو)، في صفقةٍ قد تبلغ قيمتها مئات المليارات من الدولارات.

وحسب The New York Times فقد كانت اللعبة الجيوسياسية المتغيرة، في أوضح صورها، في ديسمبر/كانون الأول 2017، عندما واجه وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، برْدَ روسيا القطبي بشجاعة، وحلّ ضيف شرفٍ على الرئيس بوتين في أثناء افتتاح محطة عملاقة لتصدير الغاز الطبيعي.

بالنسبة لبوتين، كان ذلك احتضاناً جريئاً لحليفٍ أميركي، في الوقت الذي انتقل فيه لتوسيع ثروات بلده بمجال الطاقة رغم العقوبات الحالية. بالنسبة للفالح، كانت فرصة لمناقشة مبيعات الغاز بالمستقبل وجذب الاستثمارات في أرامكو السعودية، وتنسيق الجهود لدعم أسعار النفط العالمية.

قال بوتين في حفل الافتتاح: “إذا واصلنا العمل بالطريقة التي نتبعها، فإنَّنا سنتحول من منافسين إلى شريكين”. واتفق معه المسؤول السعودي بسرور.

رقصة معقدة

وما يزال النجاح النهائي للطرح العام لشركة أرامكو السعودية ومجمل الإصلاحات الاقتصادية في المملكة موضع تساؤل، ولا يزال النجاح المُحرَز حتى الآن مشوباً. ومع ذلك، فإنَّ الممولين الأميركيين والصينيين، وحتى الروس، متداخلون في رقصة معقدة حول الطرح العام الأولي، الذي وُعِد بإجرائه في وقتٍ لاحق من هذا العام (2018).

وقد دعا الرئيس ترامب علناً إلى إدراج الطرح العام الأولي في نيويورك. ويبدو الإدراج السعودي الآن أكثر احتمالاً، إلى جانب تداولٍ إضافي في لندن أو هونغ كونغ. ويقول الممولون العالميون إنَّهم يريدون حصةً من الصفقة أينما حدثت.

أعطى الاهتمام بالطرح العام الأولي المملكة تأثيراً أكبر، في الوقت الذي فقدت فيه منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) -التي حظيت من خلالها بالكثير من النفوذ- الكثير من قوتها.

قال بيل ريتشاردسون، وزير الطاقة الأسبق وسفير الولايات المتحدة الأسبق لدى الأمم المتحدة: “يعوض السعوديون نفوذهم المفقود في (أوبك)، ويُظهرون براغماتية جيوسياسية في سياساتهم الخارجية والطاقوية الجديدة. لكنَّهم لا يعوضون النفوذ المفقود فقط؛ بل يضيفون إلى نفوذهم في السياسة العالمية”.

أسعار النفط وانهيار الاتحاد السوفييتي

كان للسعودية دور مركزي في الطاقة العالمية منذ الحرب العالمية الثانية على الأقل. وحين أوجدت المملكة وفرةً عالمية للنفط من أجل الحصول على حصةٍ بالسوق في منتصف الثمانينيات، تراجعت الأسعار، ما أسهم في إفلاس الاتحاد السوفييتي، في الوقت نفسه الذي كانت تمول فيه المجاهدين الأفغان الذين يقاتلون السوفييت، وفق The New York Times.

كانت المملكة مورّداً أساسياً للنفط إلى الولايات المتحدة، لدرجة جعلت واشنطن تخوض الحرب في أوائل التسعينيات جزئياً؛ لحمايتها من غزوٍ عراقي مُحتمَل. وعندما احتاجت الصين إلى إمداداتٍ جديدة من الطاقة لتوسع اقتصادها في أولى سنوات القرن الجديد، كانت السعودية جاهزة ببرنامج تنقيبٍ طموح عن النفط؛ لتلبية الطلب الجديد.

“أوبك” لم تعد قادرة على السيطرة على أسعار النفط

لكنَّ “أوبك” لم تعد قادرةً على السيطرة على أسعار النفط وحدها؛ إذ مكَّن سيلٌ من النفط الصخري الولايات المتحدة من خفض وارداتها من نفط “أوبك” والبدء في التصدير إلى الأسواق التي كان يهيمن عليها النفط الخام السعودي بالسابق.

يسعى السعوديون حسب The New York Times بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إلى ربط تخفيضات إنتاج “أوبك”، على مدى العامين الماضيين، بتخفيضات روسيا -القوة الأخرى المُصدِّرة للنفط- بهدف رفع الأسعار. وعلى المدى الأطول، يرغب السعوديون في استيراد الغاز الطبيعي ليحل محل النفط بالاستهلاك المحلي لتوليد الكهرباء، ما سيتيح المزيد من النفط الخام للتصدير.

في الوقت نفسه، توسع البلاد استثماراتها بالمصافي ومحطات البتروكيماويات في أنحاء آسيا والولايات المتحدة؛ لضمان أسواق لنفطها الخام، بينما تحقق مبيعات إضافية من البنزين الأعلى قيمة والديزل وغيرها من المنتجات المُكرَرة.

يقول بروس ريدل، المحلل السابق لشؤون الشرق الأوسط بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) ومؤلف كتاب “Kings and Presidents: Saudi Arabia and the United States Since F.D.R-ملوك ورؤساء: السعودية والولايات المتحدة منذ فرانكلين روزفلت”، إنَّ انخفاض أسعار النفط “أدى إلى جعل نمط الحياة السعودية غير مستدام؛ لذلك يتعين عليهم إيجاد بدائل. وسيتقبَّلون بحماسةٍ أي شريك يُمَكِّنهم العثور عليه وبمقدوره مساعدتهم على فعل ذلك”.

إلا أن الشريك الأكثر إثارةً للدهشة هو روسيا، التي تنافسها على الجانب الآخر من الحرب الأهلية السورية وتحاول أيضاً بناء علاقاتٍ أفضل مع إيران، المنافس الإقليمي للمملكة.

في خريف 2016، قام الملك سلمان بأول زيارةٍ رسمية لملكٍ سعودي في الحكم إلى روسيا. وجرى التوصل إلى اتفاقيات تعاون متعددة، من ضمنها المبيعات العسكرية، فضلاً عن التزام أكبر شركة للبتروكيماويات في روسيا، “سيبور”، ببناء مصنع في السعودية.

وأعرب كيريل ديمترييف، الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي الذى تديره الدولة، مؤخراً، عن اهتمامه بالطرح العام لشركة أرامكو السعودية؛ بل واقترح انضمام مجموعة من المستثمرين الروس والصينيين لتقديم عطاء.

شركات النفط الصينية والسعودية نمت بالفعل

وكانت العلاقات بين شركات النفط الصينية والسعودية قد نمت بالفعل في السنوات الأخيرة؛ إذ اشترت “أرامكو” حصة 25% بمصفاة تكرير في مقاطعة فوجيان التي تديرها شركة سينوبك الحكومية العملاقة، وتملك الشركتان مشاريع تكرير مشتركة بالسعودية. ووقَّع البلدان كذلك اتفاقاً أولياً، في الصيف الماضي، لإنشاء صندوق استثماري بقيمة 20 مليار دولار لمشاريع البنية التحتية والطاقة والتعدين.

وقال سداد إبراهيم الحسينى، نائب الرئيس التنفيذى السابق لشركة أرامكو السعودية: “ربما نعمل معهم أيضاً، فهم في أمسّ الحاجة إلى الطاقة، ولدينا الكثير منها؛ ومن ثم فذلك منطقي”.

تعزز مثل هذه الصفقات جهود أرامكو السعودية لتصبح مركز تكرير عالمياً. وهذا لا يمكن إلا أن يزيد من قيمة الطرح العام الأولي المُقترَح للشركة، التي تنتج بالفعل نفطاً خاماً أكثر من أي دولة أخرى في العالم.

وسعت العديد من البنوك العالمية، ومن ضمنها “جي بي مورغان تشيس”، و”إتش إس بي سي”، و”غولدمان ساكس”، و”سيتي غروب”، و”مورغان ستانلي”، و”كريدي سويس”، لتقديم المشورة للمملكة وأن يكون لهم دورٌ في الصفقة النهائية.

قال أوسمار أبيب، الرئيس المشارك لقسم الاستثمار المصرفي في النفط والغاز ببنك كريدي سويس: “يجب أن يكون كل بنكٍ استثماري عالمي مهتماً بالحصول على دورٍ رئيسي؛ نظراً إلى جودة الشركة، وحقيقة أنَّه سيكون أكبر طرحٍ عام أولي في التاريخ”.

وقد قيَّمت المملكة الشركة بتريليوني دولار، وهو رقمٌ يقول المصرفيون الاستثماريون إنَّه سيكون واقعياً فقط إذا ما كان سعر برميل النفط 100 دولار، أي بزيادة تقارب نحو 40 دولاراً للبرميل عن السعر الحالي.

ووفق The New York Times يشكِّك العديد من خبراء الطاقة في اكتمال عملية طرح الأسهم؛ بسبب الأسئلة المتكررة حول سيادة القانون بالمملكة، فضلاً عن الامتيازات الخاصة الممنوحة للأمراء السعوديين. وهم يتوقعون أن يتردَّد أفراد الأسرة المالكة في التخلي عن سرية أرباحهم من الشركة، والتي هي الآن مخفية عن الجمهور. وفي الوقت نفسه، شعر المستثمرون الدوليون بالقلق جرَّاء الجولة الأخيرة من إجبار الأثرياء السعوديين على دفع مبالغ كبيرة من المال مقابل حريتهم بعد احتجازهم في فندق.

قال ديفيد غولدوين، كبير خبراء وزارة الطاقة في بداية عهد باراك أوباما: “سيكون من الصعب جداً بالنسبة لهم إقناع أي شخص بشراء حصة من (أرامكو)، إلى حين معرفة كيف يكونون أكثر شفافية حول نسبة ما يحصل عليه أفراد العائلة المالكة والقيمة الفعلية للشركة”.

ويقول مسؤولون نفطيون سعوديون إنَّ قضيتي التقييم والحوكمة ستُحلّان في النهاية؛ لأنَّ ولي العهد وأباه ينظران إلى الطرح العام باعتباره محورياً لإعادة تشكيل الاقتصاد بالمزيد من الاستثمارات الأجنبية.

وقال الحسيني: “لا يوجد أي تراجع. فالالتزام بالطرح العام الأولي نابع من قيادة مركزية، من أشخاص مُخول لهم اتخاذ القرارات. إنَّها ليست طريقاً ضيقة ملتفّة لا تؤدي إلى نتيجة”.

مواضيع ذات صلة