هل تنسحب القوات الأمريكية من سورية والعراق بعد أفغانستان.. وهل يعتمد قادة محور المقاومة على ضربات محدودة في دفع الإدارة الأمريكية لاتخاذ قرار المُغادرة أم إلى مفاوضات الانسحاب أوّلاً؟.. الخامنئي من استشرف صعود الإسلام السياسي بداية الربيع العربي إلى استشراف خروج أمريكا من غرب آسيا

اسرار ميديا كمال خلف: من المحتمل ان الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بعد عشرين عاما من الغزو والاحتلال وترك البلاد لتعاود حركة طالبان السيطرة عليها تماما كما كان الحال عليه عشية […]

اسرار ميديا

كمال خلف:

من المحتمل ان الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بعد عشرين عاما من الغزو والاحتلال وترك البلاد لتعاود حركة طالبان السيطرة عليها تماما كما كان الحال عليه عشية الغزو الأمريكي عام 2001، اعطى دافعا للقوى والفصائل في سورية والعراق للوصول الى النتيجة ذاتها، اذ يبدو من الطبيعي طرح السؤال لماذا تنسحب القوات الامريكية من أفغانستان ولا تفعل ذات الشيء في كل من شمال شرق سورية والعراق؟ خاصة ان المصالح الامريكية في كلا البلدين تبدو اقل أهمية من تلك في مناطق أخرى، الا بالنظر اليها من زاوية الالتزام الأمريكي بامن إسرائيل.

وعلى وقع الانسحاب من أفغانستان كثفت المقاومة في العراق وقوى مثيلة لها في سورية استهداف القواعد الامريكية، بينما ردت القوات الامريكية على ذلك عسكريا، لكن في الاستهداف والاستهداف الضاد ثمة ضبط واضح لمستوى المواجهة من الطرفين، من حيث تجنب إيقاع عدد من القتلى يجر الى تصعيد خطير، يعيد الأمور الى عهد الرئيس السابق “دونالد ترامب” وينسف مسار الدبلوماسية على عدة مسارات، أولها المسار بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة في اطار الحوار الاستراتيجي و كذلك مسار التفاهمات الروسية الامريكية في سورية بعد قمة الرئيسين “بوتين وبايدن” في جنيف و أخيرا مسار المحادثات الشاقة في فيينا بين ايران والولايات المتحدة، وفي وسط كل ذلك جهود الإدارة لانهاء الحرب في اليمن.
من المؤكد ان قادة محور المقاومة ليس لديهم وهم ان عدة ضربات للقواعد الامريكية في سورية والعراق محدودة التاثير يمكن لها ان تدفع الإدارة الامريكية للمغادرة، لكن تبدو المراهنة اقرب الى وضع القوات الامريكية تحت الضغط والصداع المزمن، لايصال الإدارة الى قناعة عدم جدوى البقاء، وبالتالي الجنوح الى الجلوس للتفاوض حول صيغ الخروج، وتامين بعض المصالح الحيوية مقابل ذلك.

واذا كانت الإدارة قد فاوضت حركة طالبان العدو المباشر لسنوات من الوجود الأمريكي في أفغانستان، فلا يبدو ان هناك حاجز يمنع التفاوض مع قوى أخرى معادية لها، مثل فصائل المقاومة العراقية او الحكومة السورية او حتى حزب الله في لبنان، طالما ان الاستراتيجية العامة للولايات المتحدة لدى إدارة بايدن والدولة العميقة في الولايات المتحدة هي الانسحاب من الشرق الأوسط او تخفيض الاهتمام به مقابل أولوية تكثيف التواجد في مناطق أخرى اكثر أهمية شرق اسيا، لمواجهة الحضور الصيني المتنامي. وعلى الرغم من وضوح الخلاصات الفاشلة لادارة الرئيس بادين حول عدم جدوى سياسية سلفه دونالد ترامب في اعتماد التصعيد العسكري الى حد تنفيذ اغتيالات علنية في العراق، كما في اغتيال الجنرال قاسم سليماني وأبو مهندي المهندس، واعتماد الضغط الأقصى مع ايران لجرها الى التفاوض، الا ان بعض الرؤوس الحامية في واشنطن ترغب في تكرار التجربة.

وعلى سبيل المثال يقدم “مايكل نايتس” في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى وهو يُطلع بانتظام صناع السياسة في الحكومة الأمريكية وضباط الجيش الأمريكي حول الشؤون الأمنية الإقليمية. يقدم نصيحة لادارة بايدن حول التعامل مع الوضع في العراق في مقاله المنشور في المعهد الأمريكي يقول فيها ما نصه: “لتكن الضربات على الأعداء أقوى من ضرباتهم. ومن واقع تجربتي القائمة على مراقبة قادة الميليشيات العراقية عن كثب، والعمل قربهم بل وحتى اللقاء بهم، هناك نتيجة واحدة فقط يخشونها فعلاً وهي مقتلهم. وقد كان ذلك واضحاً عند رؤية قادة الميليشيات يتفرقون ويخافون ويبتعدون عن الأنظار بعد قيام الولايات المتحدة بقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني وزعيم الميليشيات العراقية أبو مهدي المهندس في كانون الثاني/يناير 2020.

ولكن بدلاً من استخدام الخيار الأكثر تطرفاً، على الإدارة الأمريكية أن تبدأ بالتلميح إليه. وهذا يعني على أرض الواقع توجيه الولايات المتحدة ضربة متعمدة شبه مخطئة على هدف حساس للغاية، على غرار استهداف أحد قادة الميليشيات البارزين. وفي المرة المقبلة التي تتعرض فيها قاعدة أمريكية لهجوم كبير بالصواريخ أو بالطائرات بدون طيار، يجب أن يلقى زعيم إحدى الميليشيات حتفه رداً على ذلك، في الوقت والمكان اللذين تختارهما الولايات المتحدة”.

هذه العقلية والراي الدموي لدى بعض النخبة والمستشارين في أمريكا هو من أوصل الولايات المتحدة الى الفشل المتراكم من تجارب عقود من التدخلات العسكرية الدموية والتي افضت الى الدمار والقتل والخسائر الفادحة المالية والاقتصادية ، وفي اخر المطاف تضطر القوات الامريكية الى الانسحاب دون تحقيق الأهداف كما يجري الان في أفغانستان .

قد ينظر كثيرون الى خطابات مرشد الجمهورية في ايران السيد “علي خامنئي” باعتبارها خطبا ايدولوجية او نوعا من الوعظ اكثر منها خطابات ذات بعد استراتيجي. وقد اثبت التجارب في التدقيق ان أصحاب هذا الراي مخطئون. فقد بشر الرجل في بداية ما سمي “الربيع العربي” بصعود الإسلام السياسي . كما بشر قبل عام ونصف بخروج القوات الامريكية من منطقة غرب اسيا

فمنذ اليوم الأول للثورة في تونس اطلق حينها المرشد الإيراني مصطلح “الصحوة الإسلامية”. وافضت الاحداث بعد ذلك الى صعود إسلامي كبير وتسلم الإسلاميين الحكم في عدد من دول الربيع العربي. قبل ان ينقضوا على محور المقاومة، ويجنحوا نحو الاستعانة بالناتو في ليبيا ومحاولة ذلك في سورية مرارا واستعمال الخطاب المذهبي الطائفي خدمة لهدف اسقاط النظام فيسورية حليف ايران، ومواجهة حزب الله و ايران نفسها بذات الخطاب التجيشي. لينقلب الموقف الإيراني من فهما لما يجري بانه “صحوة إسلامية” تتكامل معها، الى اعتباره مشروعا أمريكيا بادوات إقليمية خليجية يستهدف ضرب تحالف المقاومة. نعيش اليوم مخاض خروج القوات الامريكية الذي ربما سيحتاج الى مزيد من الوقت، ومن المؤكد ان ذلك سوف يرتب تغييرات عميقة على البيئة السياسية، وربما على الجغرافية السياسية.

مواضيع ذات صلة