منفذ عرعر.. طريق مليار مسلم إلى مكة المكرمة

اسرارميديا د. محسن القزويني تم افتتاح منفذ عرعر بعد ثلاثة عقود من الانغلاق بمراسم رسمية اشترك فيها وفود عراقية وسعودية، وذلك ضمن قرارات مجلس التنسيق المشترك بين العراق والسعودية في […]

اسرارميديا

د. محسن القزويني

تم افتتاح منفذ عرعر بعد ثلاثة عقود من الانغلاق بمراسم رسمية اشترك فيها وفود عراقية وسعودية، وذلك ضمن قرارات مجلس التنسيق المشترك بين العراق والسعودية في دورته الرابعة.

وبهذا الإنجاز سيستعيد العراق دوره التاريخي في استقبال الحجيج والمعتمرين من تركيا وايران وبقية الدول الإسلامية في آسيا الوسطى وشمال وجنوب آسيا والبالغ تعداد سكانها زهاء المليار نسمة وكانوا في الماضي يقطعون المسافات الطويلة من بلادهم إلى بغداد ومنها إلى الكوفة ويسلكون (درب زبيدة) حتى الديار المقدسة. فلقد منح هذا الطريق البالغ طوله الفاً وأربعمائة كيلومتر مكانة مرموقة للعراق في العهد الإسلامي الأول حتى نهاية العهد العباسي، فأصبحت بغداد ملتقى العلماء والمفكرين من مختلف بقاع البلاد الإسلامية، وأصبحت ميداناً لتلاقح الثقافات والحضارات بسبب وقوعها على طريق الحج، يأتيها الحجيج من كل فج عميق وهم يحملون علومهم وآدابهم وفنونهم إلى المدن التي يمرون من خلالها وهم في طريقهم لإداء مناسك الحج.

وقام العديد من الأمراء والزعماء بتوفير مستلزمات الراحة للحجاج فأشادوا المنازل على الطريق حتى بلغ عددها الأربعين منزلاً، وبعد أن تحولت وسائل النقل من النياق إلى الحافلات كان هذا الطريق مزدهراً بحركة الحجاج من تركيا وأذربيجان وأوزبكستان وطاجيكستان وتركمنستان وهم في طريقهم إلى الديار المقدسة وكانوا أيضاً يزورون مراقد أئمة أهل البيت عليهم السلام في سامراء وبغداد والنجف وكربلاء، وقد انقطع هذا الخط مع بداية التسعينات منذ اعتداء النظام البائد على الجارة دولة الكويت فأغلقت المملكة العربية السعودية حدودها مع العراق وقطعت علاقاتها الدبلوماسية والسياسية الأمر الذي أدى إلى غلق منفذ عرعر وتوقف قوافل الحجيج من استخدام هذا الطريق البري والعبور إلى المملكة العربية السعودية عن طريق العراق. واليوم وبعد فتح منفذ عرعر حانت الفرصة أمام العراق والمملكة العربية السعودية لاحياء طريق الحج البري باستقبال مئات الآلاف من حجاج بيت الله الحرام وهم يفضلون الطريق البري لأسباب دينية واقتصادية وثقافية، أما الدينية لأنها ستمنحهم فرصة زيارة الأماكن المقدسة في العراق وأما الاقتصادية لأن الطريق البري أقل كلفة من النقل الجوي وأما الثقافية فلأنها ستوفر للحاج المزيد من الثقافات التي سيلتقطها وهو في طريقه إلى بيت الله الحرام ثم أثناء العودة مجدداً إلى ديارهم.

من هنا كان من الضروري وبعد فتح معبر عرعر أن يضع الوفدان العراقي والسعودي ضمن أجندة التعاون المشترك بين البلدين الخطط الاستراتيجية لاستقبال جزء كبير من حجاج تركيا وايران وشمال وجنوب آسيا عبر هذا الطريق ليتمكن الفقراء من المسلمين من أداء مناسك الحج حالهم حال الأغنياء الذين يستخدمون النقل الجوي، ففي إحياء هذا الطريق احياء للمدن والقرى التي تقع على حافة الطريق، وتشغيل للأيدي العاملة بالإضافة إلى التبادل الثقافي والمعرفي بين المسلمين من جنسيات الدول التي تقع على هذا الطريق، وسيكون لهذا المشروع العملاق مردوداً كبيراً على اقتصاديات البلدين؛ العراق والسعودية، والأهم من كل ذلك سيكون الحج عبادة شاملة لجميع المسلمين من استطاع إليه سبيلاً وليس من مختصات الأغنياء فقط.

إن الاتفاق الثنائي بين العراق والسعودية على احياء طريق الحج البري سيمهد السبيل لطرحه على مؤتمر التعاون الإسلامي ودعوة الدول الإسلامية المستفيدة من هذا الطريق إلى وضع خطة شاملة للاستثمار في هذا المجال الحيوي من تعبيد الطرق والربط السككي وتوفير الأمن والراحة للحجاج والمعتمرين، وتسهيل التنقل بين المراكز الحدودية بالإضافة إلى توفير شبكة من الخدمات الفندقية والسلعية.
وليس حلماً أن نرى في يوم من الأيام: المسلمون يتنقلون من دولة إلى أخرى دون خوف أو وجل لا يمنعهم الوصول إلى قبلتهم ومهبط وحي الرسالة أي عائق.

إن مثل هذا المشروع سيحول الحدود بين الدول الإسلامية إلى ملتقى للرخاء الاقتصادي والتبادل الثقافي بدل أن تكون ميداناً للصراعات والحروب فكم من حرب دامية قامت على الحدود الإسلامية بسبب حفنة من تراب أو رشفة من ماء ,فكان لابد أن تنتهي هذه الحروب الدامية بين المسلمين بإقامة مثل هذه المشاريع الاستراتيجية الكفيلة بإعادة بناء الحضارة الإسلامية القائمة على مبدأ التعاون والتعايش والاخوة الإسلامية.

مواضيع ذات صلة