ملامح غير مكتملة عن السياسة الجديدة للخارجية الامريكية

اسرار ميديا محمد صالح صدقیان لم نكن نعلم بأهمية السياسة الخارجية الامريكية مثلما نعلمها حالياً لجهة التفاصيل التي نستلمها من هذه الجهة او تلك . ربما لأن هذه السياسة باتت […]

اسرار ميديا

محمد صالح صدقیان

لم نكن نعلم بأهمية السياسة الخارجية الامريكية مثلما نعلمها حالياً لجهة التفاصيل التي نستلمها من هذه الجهة او تلك . ربما لأن هذه السياسة باتت أكثر وضوحاً لنا بسبب عوامل متعددة ، أهمها ذلك الانفتاح الكبير الذي سببه الاعلام الجديد والنظم التقنية والفنية ، اضافة الى التفكير بصوت مرتفع للشخصيات السياسية . ولابد أن نتذكر كيف كان الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب ينقل لنا مواقفه السياسية عبر حسابه في تويتر قبل ان ينقلها لوزارة خارجيته ! أو كيف يُقيل وزيراً او يطرد آخر من البيت الابيض قبل ان يعلم صاحب الشأن كما فعل مع « ركس تيلرسون » او « جون بولتون » .

كثيرة هي الفوارق بين الرئيسين الامريكيين دونالد ترامب و جو بايدن ، وتحديداً ما يخصّ السياسة الخارجية التي تهمنا – نحن شعوب العالم – و تهمّ قضايانا التي لا تنتهي .

الرئيس بايدن ذهب شخصياً الى مبنى وزارة الخارجية ، و منها اعلن بوضوح تام في خطابه دعمه للدبلوماسية كطريقة اساسية في صوغ السياسة الخارجية الامريكية في عهده .

زميل في احدى الدول الخليجية قال ان الرئيس ترامب ترك حلفاء الولايات المتحدة تحت الباص ؛ استخدم اساليب لا تليق بدولة مثل الولايات المتحدة .. الا ان الرئيس بايدن يُريد العودة للتقليد الامريكي لقيادة العالم . بايدن قال في خطابه بوزارة الخارجية الامريكية : ان الولايات المتحدة لاعب أساسي ، وتريد قيادة العالم . لا ادري هل يستطيع ذلك فعلاً بعد كل الذي اقدم عليه الرئيس ترامب ، ام لا ؟ لكنه اعطى مقاربة اخرى عكست نصف قرن من الخبرة السياسية في العمل بالكونغرس و البيت الابيض . بايدن حرص على ان يقول ان سياسة ترامب انتهت ، و ستنتهي معه الحروب ، وهي رسالة لايران للتهيؤ لتفعيل الدبلوماسية ، وايضا للسعودية بضرورة انهاء حرب اليمن العبثية . واختياره مبنى وزارة الخارجية في إلقاء خطابه ، كان له دلالات معينة ؛ فهو لم يذهب اولاً الى مؤسسة امنية او للبنتاغون ، وانما لمبنى الدبلوماسية .

في قراءة اولية لخطابه ، ركز بايدن على عودته لاتفاقية المناخ ، لانها تهم المجتمع الدولي ، وإلغاء قرار حظر دخول مواطني عدد من الدول ذات الاكثرية المسلمة للولايات المتحدة ، والعودة لمنظمة الصحة العالمية . انه حرص على تحسين الصورة الامريكية في المجتمع الدولي . ولأول مرة يتم تعيين مبعوث للولايات المتحدة في الشان اليمني . فهل يريد إضعاف السعودية بهذا الإجراء ؟ لا اعتقد ذلك . لان السعودية لا تعيش على الهامش في القاموس الامريكي ؛ بل ان السعودية حليف كان و مازال ؛ لكن دون مشاكل . ادارة الرئيس الاسبق باراك اوباما وافقت – وكان بايدن في اطار هذا القرار – على اعطاء السعودية صلاحية تنفيذ قرار مجلس الامن الدولي 2216 بشان اليمن ، وكان من المفترض ان تتم العمليات العسكرية في خمسة اشهر لا خمس سنوات !.

الرئيس بايدن حاول نقل تصوراته للسلك الدبلوماسي بأهمية العلاقات الخارجية ، وان سياسة القوات الامريكية المنتشرة في مناطق متعددة من العالم ، ومنها الشرق الاوسط ، يجب ان تكون انعكاساً للسياسة الخارجية وليس العكس . هي مراجعة لكافة السياسات التي انتهجها ترامب في دعم بعض الانظمة بطريقة عمياء و، التي كانت مدمرة للامن في عديد المناطق الساخنة .

أربعة ملفات تهمنا – نحن ابناء منطقة الشرق الاوسط – لم يتحدث عنها الرئيس بايدن ، ولم يذكرها ؛ وهي «اسرائيل» و ايران و اليمن و العراق . لكنه شدد على تقاليد السياسة الخارجية الامريكية .
عراقياً ؛ لم يذكر هذا البلد الجريح الذي ينزف من كل اطرافه . ربما لانه كان لديه موقف عندما كان نائبا للرئيس مثل تقسيم العراق الى ثلاث دول الذي لاقى معارضة شرسة وانتقادات قوية من قبل جميع الاطراف .

بالنسبة لـ«اسرائيل» ؛ لم يتحدث عنها في خطابه .. لكن ليس من المتوقع ان يُغيّر بعض قرارات ترامب مثل الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان ونقل السفارة الامريكية لها ؛ لكن الواضح انه يدعم « حل الدولتين » ولا يسير بـ « صفقة القرن » .

الملف الايراني ايضا لم يتطرق له ، على الرغم من اعلان رغبته العودة الى الاتفاق النووي الذي انسحب منه الرئيس ترامب . ربما لان صورة العودة لهذا الاتفاق غير مكتملة ، وهو لا يُريد اتخاذ موقف رسمي قبل معرفة نتائج مساعي الحلفاء الاوروبيين ، اضافة الى الموقف الايراني الصريح من الاتفاق وما بعده .

اما الملف اليمني فانه انتقد بشدة الحرب على اليمن مشيرا الى العدد الهائل من الضحايا المدنيين ، معلنا تجميد صفقة السلاح لكل من السعودية والامارات وتقليل بعض العقوبات على الحوثيين واخراجهم من قائمة الحظر التي وضعهم فيها سلفه الرئيس ترامب .

سؤال : هل ان بايدن سينجح في تلميع الصورة الامريكية التي سوّدها سلفه ترامب ؟ لا اعتقد . وهل سيشعل ضوءً نراه في آخر النفق ؟ لا ادري .

*باحث في الشوؤن السياسية .

مواضيع ذات صلة