«مجنون ليلى» أسطورة الحب العربية الخالدة في فيلم هندي جديد يقدم «الشعر البصري»

اسرار ميديا يعد الشاعر العربي «قيس بن الملوح» من أشهر العشاق في بوليوود منذ ما يزيد عن ستين عاماً إن لم يكن العاشق الأشهر، حيث تناولت السينما الهندية حكايته على […]

اسرار ميديا

يعد الشاعر العربي «قيس بن الملوح» من أشهر العشاق في بوليوود منذ ما يزيد عن ستين عاماً إن لم يكن العاشق الأشهر، حيث تناولت السينما الهندية حكايته على مر السنين وجسد شخصيته العديد من النجوم كالنجم «شامي كابور» في الخمسينيات والنجم «ريشي كابور» في السبعينيات، وجسدها آخرون في أفلام عديدة، سواء كان اسمها «مجنون ليلى» أو «قيس وليلى»، وسواء كانت تلتزم بالحكاية الأصلية وتراجيديتها المأساوية أو حاولت أن تمنح هذين العاشقين المعذبين نهاية سعيدة لم يعرفانها قط، فتمنحهما الحياة والقرب من بعضهما البعض بعيداً عن الموت والفراق، وأحدث هذه الأفلام أنتجته بوليوود في العام 2018 بعنوان «مجنون ليلى» وأخرجه «ساجد علي» وتعاون في كتابته مع شقيقه «امتياز علي».

ولا يعد الشاعر العربي والعاشق المسكين الأشهر فنياً في بوليوود فحسب بل يمكن القول إنه من أكثر شعراء العرب انتشاراً في مختلف اللغات والثقافات الأخرى، وتعد حكايته وأشعاره الأكثر إلهاماً لأنواع أخرى من الفنون كالفن التشكيلي من خلال اللوحات والمنمنمات، والموسيقى من خلال الأغنية والأوبريت والأوبرا سواء باللغة العربية أو اللغات الشرقية والغربية، كما كان ملهماً لغيره من كبار الشعراء الذين كان لديهم الطموح والرغبة في أن يكتب كل منهم نسخته الخاصة من «مجنون ليلى» بلغات كالعربية والأوردية والفارسية كالشاعر المصري «أحمد شوقي» والشاعر الهندي «أمير خسرو» والشاعر الأذربيجاني «نظامي كنجوي» وأن يعبر عن آلام هذا الشاعر الذي ذهب الحب بعقله لكنه لم يذهب بموهبته في نظم الشعر، فخلد قصته بنفسه وقال في ليلى أجمل أشعار الحب والغزل وقال في نفسه أكثر الأبيات حزناً وأسى، كما تنبأ بنهايته المأساوية وتحققت النبوءة، لكن يبدو أن حبه كان أكبر من أشعاره ومن كل هذه المعالجات الفنية التي لا تنتهي إلى اليوم.

بوليوود و«قيس وليلى»

أما بوليوود فكانت الأكثر تقديماً لحكاية «قيس وليلى» وجعلت منها نموذجاً مقابلاً لحكاية «روميو وجولييت» في السينما الغربية، تحرص على استمراريتها وتقديمها بشكل جديد دائماً وإعادة إحياء هذه القصة الرومانسية الأسطورية كي لا تنسى، وكثيرة هي الأفلام الهندية عن مجنون ليلى وتتفاوت في جودتها وجديتها أيضاً، وعادة يتطلع المشاهد بشغف لاكتشاف التناول الجديد لهذه القصة ومعرفة ماذا سيحدث لهذين العاشقين وكأنه لا يعرف أو كأنه ينتظر تغييراً ما أو رحمة في قدرهما الذي لم يمنحهما سوى لحظات قصيرة من الحب والسعادة ثم طاردهما بالألم والشقاء إلى أن جمعهما ووحدهما بالموت عندما مات قيس بجوار قبر ليلى.

اختار المخرج «ساجد علي» في فيلمه الجديد الممثل «آفيناش تيواري» في دور «قيس» والممثلة «تريبتي ديمري» في دور «ليلى» وهما من الوجوه الجديدة التي تظهر لأول مرة على شاشة السينما، وحسناً فعل المخرج باختياره لوجوه لم نرها من قبل حيث يتمكن الخيال ويجد مساحته الكافية حيث لا تطغى أية نجومية على نجومية قيس وليلى ولا تطغى أية صورة أخرى على صورتهما، تقع أحداث الفيلم في المجتمع المسلم في منطقة «كشمير» والتزم بالحكاية الأصلية كتراجيديا شديدة المأساوية وتفاصيلها من الحب ومحاولة الزواج ورفض الأهل والمجتمع بسبب الإعلان عن «جريمة الحب» ثم إعادة المحاولة والمقاومة والانهزام بتزويج ليلى قهراً من رجل غير حبيبها ثم موتها حزناً على حبها المفقود وجنون قيس ثم موته بجوار قبرها.

تجسيد شخصية «قيس» أو «المجنون» وأداء دوره على شاشة السينما يعد من أكثر الأدوار إغراءً للممثلين، نظراً لما به من تحديات فنية وتقلبات وتطورات شكلية وعاطفية ونفسية مذهلة، وكذلك نظراً لحساسيته الشديدة وعبقريته في نفس الوقت، عالج الفيلم هذه القصة الرومانسية المأساوية سينمائياً بشكل جيد، فالفيلم غني بصرياً ومفعم بالعواطف وقد اتخذ من جمال الطبيعة الساحرة في منطقة «كشمير» وسيلة للتعبير عن الكثير من الجوانب في قصة المجنون واعتمد عليها بشكل كبير في الجزء الثاني من الفيلم عندما فر «قيس» وحيداً وقرر الابتعاد عن الجحيم البشري بعد تزويج «ليلى» ومع بدايات فقده لعقله، وأخذ ينشد في جمال الطبيعة تعويضاً عن جمال حبيبته الذي فقده وحُرم منه، كما ركز الفيلم على جبال «كشمير» والتي تُذكر المشاهد بجبل «التوباد» في أشعار «قيس بن الملوح» والذي كان يحتل في نفسه مكانة عظيمة، وببلاغة سينمائية يقدم المخرج هذا الشعر البصري حيث الجبال والمروج والجداول وموسيقى الطبيعة التي تعزفها المياه والطيور وأوراق الأشجار، كما يصور الفيلم مشكلة الفرد المختلف في مواجهة المجتمع ومعاناة «قيس» المرهف المشاعر وسط بلداء الحس وأصحاب الأرواح الصلدة، وتحكم المجتمع وسطوته التي يمارسها بغير حق على الفرد حتى في أكثر أموره خصوصية، حيث لا يحق للمرء أن يحب بمفرده وعندما يرغب في أن يتزوج فعليه أن يحصل على موافقة المجتمع بأكمله وكأن الجميع سيتزوجون معه وسيشاركونه حياته، كما يشير الفيلم إلى ارتباط قيس بليلى وتعلقه بها منذ مرحلة الطفولة من خلال مشاهد يتذكرها المجنون من حين إلى آخر.

الجنون الذي صار مرادفاً للعشق

ومن أجمل مشاهد الفيلم تلك التي تصور لنا عالم «قيس» الجديد وسط الطبيعة وتأملاته الحزينة ونوبات العشق المضطرم وغيبوبة الحب التي يعيش فيها معظم الوقت، والجنون الذي صار مرادفاً للعشق، ولقب المجنون الذي صار مرادفاً للقب العاشق، وليلى التي صارت الشغف والهوى والشيء المستحيل الذي تتوق إليه نفسه، وكذلك علاقته بالطبيعة ووحدته وأشعاره التي حل محلها العديد من الأغنيات الجميلة كأغنية «حافظ حافظ» وأغنية « ميري ليلى»، وكيف صار صديقاً للحيوانات التي باتت تحبه وتألفه وتشاركه حياته وسط الطبيعة فلا يجد منها ضرراً ولا تجد منه أذى، وهكذا كان «قيس» بالفعل ويقال إنه رفض أن تُذبح غزالة لأن عيونها كانت تشبه عيون ليلى وافتداها بناقته، كما تذكرنا صورة كبيرة للكعبة بما يقال عن أن قيس عندما ذهب به أهله إلى الكعبة أملاً وطلباً للشفاء، دعا الله ألا ينسيه ليلى وألا يشفيه من حبها، ويطلعنا الفيلم على تمزقه من الداخل وتطور مراحل الألم تدريجياً من ألم الحب إلى ألم الفقد إلى الجنون، فنرى كآبته وغضبه واضطرابه وعجزه أيضاً ووقوعه منهزماً منهكاً بعد مقاومة طويلة، كما يصور الفيلم مأساة «ليلى» التي كانت تعاني في صمت من وراء حجاب بعد تزويجها قهراً من رجل غير حبيبها، وعرفت حزناً شديداً على «قيس» وما أصابه من جنون إلى أن ماتت كمداً، وبجوار قبرها مات قيس بن الملوح «جريح القلب مندمل الصدر» كما قال في أشعاره.

كاتبة مصرية

مواضيع ذات صلة