لماذا تربح إيران وتخفق أميركا في العراق؟

اسرارميديا سمير عادل يحاجج المناوئون لإيران في العراق غالبا، بأن الأخيرة تمكنت من ذلك عبر شبكة فصائل مسلحة أسستها ودعمتها بالمال والسلاح، بحيث صارت تلك الفصائل تنفذ أصعب المهمات لايران […]

اسرارميديا

سمير عادل

يحاجج المناوئون لإيران في العراق غالبا، بأن الأخيرة تمكنت من ذلك عبر شبكة فصائل مسلحة أسستها ودعمتها بالمال والسلاح، بحيث صارت تلك الفصائل تنفذ أصعب المهمات لايران وتسهر على حماية مصالحها في العراق وتدافع عنها.

الحق، أن وجهة النظر هذه تمثل الجزء الأقل أهمية في هذا الاتجاه، والأمر الأكثر أهمية وحسما، هو عنايتها الفائقة، وأقصد إيران، بما بات يعرف بـ”القوة الناعمة” التي تمثلها وسائل الاعلام المختلفة التي دعمتها واسستها في العراق.

إيران ومنذ وقت مبكر بعد إطاحة نظام صدام حسين في العراق عام 2003، دشنت سلسلة واسعة من الفضائيات التلفزيونية ومحطات الإذاعة والصحف ومراكز الدراسات، والأخيرة كانت شكلية، لكن دورها كان فاعلا ومؤثرا، لأنها اسندت الى عناصر عراقية محلية ارتبطت بالاجهزة الامنية الايرانية ومنها جهاز”الإطلاعات”، أوكلت لها مهمة البحث عن انخراط العدد الاكبر من العراقيين ضمن فضاء المصالح الايرانية، من خلال كتابتها للمقالات والدراسات والتأكيد على الزيارات المجانية المتواصلة لإيران، وهذه شملت قطاعات واسعة من أساتذة جامعات وصحفيين وشرائح اجتماعية مختلفة.

وحيال كل ما قامت به إيران من جهود ذكية في كسب قطاعات واسعة من العراقيين، عبر عمليات توظيف واسعة في مؤسساتها الإعلامية المدعومة منها، لم تفلح الولايات المتحدة الامريكية، إلا في تأسيس قناة”الحرة- عراق” التي انطلقت بوتيرة متصاعدة وحققت في السنوات الأولى من تأسيسها عام 2004 سمعة جيدة محلياً، ثم لاحقا تحولت إلى مجرد جثة هامدة، في موازاة نمو مطرد لوسائل الاعلام التي تدعمها ايران، سواء على مستوى الشكل أو المضمون.

من هنا، فانني أدافع عن قناعة راسخة تشكلت لدي عبر سنوات من مراقبة الشأن السياسي والإعلامي العراقي والفاعلين السياسيين والإعلاميين فيه، مفادها إن إيران كسبت حربها ضد الولايات المتحدة الاميركية في العراق وبشكل أساس من زاوية البربوغندا الإعلامية التي قامت بادارتها شبكة فاعلة من وسائل الاعلام التي اسستها ودعمتها في العراق. وهنا أيضا، لا يمكن التقليل من أهمية العمليات والهجمات التي قامت بها الفصائل العراقية التابعة إلى إيران على القوات الاميركية، وتاليا تقويض نفوذها وارغامها على الانسحاب من العراق نهاية عام 2011. لكني أصر على ارجحية الدور الحاسم الذي اضطلعت به وسائل الإعلام الممولة إيرانيا في هزيمة ذلك النفوذ والتفوق عليه بسنوات ضوئية.

لو أردنا ضرب مثال لتأثير هذا النفوذ وتسببه بالكثير من المشاكل للوجود الاميركي في العراق، لبرز لنا نموذج الحرب الدعائية التي شنتها بنجاح وسائل الإعلام المدعومة إيرانيا على الولايات المتحدة بعد عام 2014، أثناء الحرب ضد داعش، حيث تمكنت تلك القنوات ببراعة من تمرير خبر المساعدات والاسلحة التي تلقيها الولايات المتحدة على عناصر “داعش” بحيث اضحى ذلك الخبر بمثابة قناعة راسخة داخل قطاعات شعبية عراقية واسعة وخاصة في المحيط الشيعي، مثلما نجحت تلك القنوات على تصوير الانتصار على داعش وكأنه عمل إيراني خالص، حتى أن مسؤولا سابقا في السفارة الاميركية في العراق قال حينها بمرارة:” ندعمهم بقوة في حربهم ضد داعش ويتهمونا بمساعدة داعش”.

ربما هناك من يقول أن القنوات الممولة ايرانيا مارست تضليلا كبيرا على جمهور المتابعين، لذلك نجحت في تمرير رسالتها الاعلامية، في مقابل خطاب متوازن قدمته “الحرة” الاميركية”. واقول، أن القضية لا تتعلق بالتضليل فقط، انما في إدارة ملف الإعلام بذكاء وكفاءة من قبل ايران، في مقابل تخبط امريكي واضح.
الخلاصة التي أريد الخروج بها من كل ذلك، هي أن ايران تتفوق دائما على اميركا في العراق، لأنها تجيد التصرف وتعمل ببراعة لافتة في مجال إدارة ملف الإعلام في هذا البلد، خلافا للتصرفات الاميركية في هذا الاتجاه، لذلك ستظل ايران تتفوق على اميركا، لأنها تنفق الاموال الطائلة على الصحفيين العاملين في نحو 300 مؤسسة مدعومة كما تشير بعض التقارير.

باختصار شديد، إيران توظف الآلاف في العراق عن طيب خاطر، فيما تستكثر “الحرة” في واشنطن توظيف بضع عشرات من العراقيين! طيب، وماذا فعلت وتفعل الولايات المتحدة اليوم لمواجهة كل هذه التحديات؟
حسنا، لقد قامت بتطوير خطاب قناة “الحرة” كما يقول القيمون على القناة في واشنطن، لكن كيف سيتم ذلك؟ إن الأمر بسيط جدا! وهو عبارة عن تسريح أكثر من نصف العدد من خيرة العاملين في المحطة ببغداد وواشنطن وخاصة من العراقيين، وتحويل القناة إلى نسخة تافهة من قناة “سكاي نيوز” الاماراتية المتواضعة أصلا. حتى انها ستباشر عملية انطلاقتها الرسمية في 4 تشرين الثاني المقبل من دولة الامارات وليس من مقرها في واشنطن! وهو أمر محيّر ويترك ألف علامة استفهام حول دوافع وطبيعة التحديث والتغيير المزعوم؟!

لعل الأكثر غرابة في موضوع التطوير الجديدة التي تعلن عنها القناة باستمرار هذه الأيام، هو الاستعانة بـ”مقاولين” فضائيات، لايجيد اكثرهم معرفة واطلاعا على ابسط التفاصيل المتعلقة بالشأن العراقي. فالمدير الأول للقناة الامريكي المتعصب البرتو فرناندز، سفير سابق وتتلخص علاقته بالإعلام من خلال مهنة التعليق والتحليل السياسي في الفضائيات، استعان بالمقاول الأردني المشرف سابقا على تأسيس “سكاي نيوز” الاماراتية نارت بوران، والاثنان استعانا بـ” جبهبذ” الاعلام المصري عمرو الكحكي، والأخير لا يجيد من مهنة المتاعب سوى الفهلوة المصرية المعتادة، والانكى انهم جعلوه مشرفاً عاماً على البرامج وبات يتدخل في ادق تفاصيل البرامج السياسية الموجهة إلى العراق، وهو الشخص الخالي من الموهبة الذي لايميز بين ناقة النائب فائق الشيخ علي وجبل خصمه اللدود سيد مامول السامرائي! لذلك بات اضحوكة العاملين من العراقيين وغيرهم في المحطة.

من الواضح أن عمليات الابعاد المتواصلة للعاملين في المحطة، سيقابلها الاستعانة بالاعلاميين والصحفيين المقربين من نارت بوران وحاشيته من العرب غير الملمين بالشأن العراقي، لذلك، لنا أن نتخيل مستوى المحتوى الإعلامي الذي سيوجه إلى الجمهور العراقي، مقارنة بالمحتوى الاعلامي للقنوات الممولة ايرانيا.

مواضيع ذات صلة