كيف تخفي القوات الخاصة التكلفة الحقيقية لحروب أميركا

اسرار ميدا جرى على مدى السنوات الـ 16 الماضية، تحولٌ عميقٌ في كيفية شن أميركا حروبها، وبدءاً من فترة جورج بوش، بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وبوتيرةٍ أسرعٍ في عهد باراك […]

اسرار ميدا

جرى على مدى السنوات الـ 16 الماضية، تحولٌ عميقٌ في كيفية شن أميركا حروبها، وبدءاً من فترة جورج بوش، بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وبوتيرةٍ أسرعٍ في عهد باراك أوباما ودونالد ترامب، تحولت قوات العمليات الخاصة، التي كانت من قبل عبارة عن مجموعات صغيرة، سرية، متفرعة عن الجيش الأميركي، تُستخدم لمهام متخصصةٍ للغاية، إلى أداة أساسية تستخدمها القوة العسكرية الأميركية والسياسة الخارجية. وفي مسار تحولها هذا، تم الدفع بها نحو وضعٍ ضاغطٍ لا يُطاق.

وفي تقريرٍ صدر عن مجلس العلاقات الخارجية في عام 2013، أشارت ليندا روبنسون، الباحثة في مؤسسة راند، إلى هذا التوجه المتقدم جداً، عند تصريحها بالقول إن “قوات العمليات الخاصة” تضاعفت من حيث الحجم وتم نشرها في كثير من الأحيان للقيام بمهام لفترات أطول من أي وقت مضى. وتضم هذه الوحدات حالياً عدداً أكبر من الجنرالات لقيادة عملياتها، ما يقارب الـ 70 جنرالاً، بالمقارنة مع تسعة جنرالات فقط قبل اثني عشر عاماً. ووفقا لتقرير مجلة “تايم” الأخير، يوجد حالياً 8 آلاف من أفراد هذه القوات المنتشرة في جميع أنحاء العالم يمكنها التحرك في أي لحظة، مقارنة مع 2900 فرد في عام 2001.

قوات العمليات الخاصة المعروفة اختصاراً باسم “سوف”، هي عبارة عن مظلة تضم سلسلة من “الكوماندوز”، ووحدات حربية غير تقليدية، تتشكل من جميع القوات المسلحة، وتشمل هذه الوحدات الخاصة قوات البحرية التي نفذت الهجوم الذي أودى بحياة أسامة بن لادن في عام 2011. والقوات الخاصة التابعة للجيش، كالتي تعمل في أفريقيا، حيث قتل ثلاثة أميركيين في كمين في أكتوبر / تشرين الأول، التي تعد بمثابة مجموعة من الوحدات الخاصة الأخرى إلى جانب قوات دعم تسندها. فمن جهة أصبح هؤلاء العملاء الأسطوريون في مقام الجواهر التاجية للقوات المسلحة، ومحل إعجاب وذهول الجمهور وصانعي السياسات على حد سواء، لكن في الوقت نفسه، يُستخدمون على نحو متزايدٍ كأدوات لتحقيق أغراض خاصة، إلى درجة أصبحوا يسمون أنفسهم داخل هذه الوحدة باسم “الزر السهل” لوصف وضعهم، أي أداة متاحة يفترض أنه بوسعها إيجاد حلولٍ لكل اضطراب في العالم أو صراع أي ركن من أركان المعمورة.

لكن هذه التغييرات كلفت ثمنا باهظاً، الانتقال من فكرة الجيش باعتباره حامي ومنفذ للسياسة الديمقراطية، وليس بديل لها، وكذلك بالنسبة لهذه القوات الخاصة وأسرهم، الذين يُدفعون دفعاً نحو نقطة الانهيار.

 

صرح رقيب في القوات الخاصة التابعة للجيش، في رصيده أكثر من 25 عاماً من الخدمة، طلب عدم الكشف عن هويته، كونه غير مخولٍ للتحدث إلى الصحافة قائلاً، “لقد أصبحت القوات المسلحة الخاصة النسخة الأميركية من الفيلق الأجنبي الفرنسي”. في إشارة إلى القوة العسكرية الفرنسية شبه المرتزقة، المنفصلة تماماً عن الجيش الوطني الفرنسي والمؤلفة بشكل شبه كلي من مواطنين غير فرنسيين. “الفيلق الأجنبي في نهاية المطاف قوة ليست فرنسية. والدي ووالدتي، سواء كانا في باريس أو في أي مكان آخر، لا يهمهم بتاتاً إذا قُتلت مجموعة من أفراد هذا الفيلق في مكان ما من العالم لأنهم ليسوا فرنسيين على أي حال. ويبدو أن القوات المسلحة الخاصة (سوف) أصبحت الآن تشبه حالة ذلك الفيلق الأجنبي”.

المجد الذي يُمنح لأفراد القوات الخاصة سواء في الأفلام أو الاحتفاء بهم في التظاهرات العامة، في غياب أي شعور أوسع من التضحية المشتركة، يجعل وجودهم أكثر غربة وبعداً. وكما قال الكاتب مات غالاغر، أحد قدامى المحاربين في العراق، في العام الماضي، “لقد استولت أسطورة العمليات الخاصة على الخيال الجماعي لأمتنا، وأثبتت أن هذه الأسطورة أضحت الزاوية الوحيدة التي من خلالها ينظر الجمهور إلى حروب أميركا”.

من الجدير النظر فيما أوردته مقالة مجلة “تايم”، “للمرة الأولى على الإطلاق في عام 2016 (ومن جديد في عام 2017)، فاق عدد أفراد قوات العمليات الخاصة الذين قتلوا أثناء العمليات العسكرية، عدد قتلى القوات التقليدية”. وتسجل المقالة أن “قوات العمليات الخاصة تتكبد الآن جميع الخسائر القتالية في الولايات المتحدة تقريباً، على الرغم من أنها تشكل أقل من 5 في المائة من إجمالي القوة”، وهم من جملة فئة الأقل من واحد في المائة من المواطنين الذين يعملون في الجيش في المقام الأول. وبعبارة أخرى، فإن العبء العملياتي للسياسة الخارجية الأميركية يقع الآن على عاتق فئة لا تشكل سوى واحد من عشرين في المائة من نصف واحد في المائة من الشعب الأميركي.

قوات العمليات الخاصة رخيصة التكلفة نسبياً، وغير مقيِدة مقارنة مع القوات التقليدية، وثقافتها التنظيمية مرنة بما فيه الكفاية بحيث يمكنها أن تشمل كل شيء من مكافحة الإرهاب إلى المهام الدبلوماسية – وناضجة بما يكفي لفسح المجال لها للتصرف من تلقاء نفسها، وتَخويلها الصلاحية لإيجاد حلول مؤقتة على الأقل. إذا نظرنا إلى هذه الخصائص منفردة، يمكننا القول إنها نقاط قوة فاصلة، لكن إذا نظرنا إليها مجتمعة، نجد أنها كرست وهم استراتيجية موحدة حيث لا وجود على أرض الواقع لشيء من هذا القبيل.

ونفس الصفات التي تجعل من قوات العمليات الخاصة أداة بمثل هذه الفعالة والجاذبية بالنسبة لصانعي السياسات، تنطوي أيضا على ثغرات. وكان للجنرال المتقاعد ستانلي مكريستال، الذي خدم معظم حياته المهنية في قوات العمليات الخاصة، دورا أساسيا في توسيع نشاط هذه القوات الخاصة وتأثيرها قبل أن تجبره الفضائح على التقاعد المبكر. وكان في عام 2010، قد حذر من أن “هنا يكمن خطر قوات العمليات الخاصة، إذ يشعر المرء بأن عملياتها مرضية، وبأنها لا تشوبها شائبة، ومخاطرها قليلة، وأنها بمثابة علاج لمعظم العلل”.

تزداد الحربُ خصوصية مع تضاؤل بعدها السياسي، وقد يبدو ذلك جذاباً، عندما ننظر إلى وضع السياسة الأميركية في هذه الأيام، لكن تجريد الحرب من بعدها السياسي يعفيها من الرقابة والمساءلة ويخلصها من الغرض الأصلي المفترض أن تضطلع به السياسة، المتمثل في التوصل إلى حلول تجنب وصول مرحلة المعارك المسلحة. وقد دفعت عددٌ من العوامل نحو هذا الاتجاه، منها انتشار الطائرات بدون طيار وأشكال الهجوم الآلي عبر الانترنت وغيرها.

وترامب، المفتون بـ “جنرالاته” من خلال ما يكنه من تقدير للمظاهر العسكرية وعلامات القوة، قد أبدى نفوراً صارخاً بشأن توضيحه نوعية الأهداف الاستراتيجية الواضحة التي يمكن أن تنظم طريقة استخدام قوات العمليات الخاصة وإعادتها إلى موقع متوازن ضمن طيف خيارات السياسة الخارجية.

وفي حديث مع VICEقال أحد الموظفين الديموقراطيين في الكونغرس، على اطلاع واسع بشؤون لجنة الخدمات المسلحة، طلب عدم الكشف عن هويته، نظراً لعدم تخويله التحدث بصفته الرسمية أن “إدارة ترامب قد تبالغ بشكل صارخ في تقدير القوات العسكرية مقارنة بالموارد الدبلوماسية وغيرها”. ولكن حتى لو كانت هناك إدارة مختلفة في البيت الأبيض اليوم، لا يزال هناك توجه أوسع يوحي بأن أي مسؤول تنفيذي سوف يعتمد على قوات العمليات الخاصة، وذلك ليس فقط بسبب فاعليتها في أداء المهام الموكلة إليها ولكن أيضاً لأنها تنفرد بميزة هامة وهي أنها تخضع لرقابة أقل من قبل الجمهور وتدقيق أقل من طرف الكونغرس”.

إن ما ورثه ترامب هو قوة عسكرية عالية التكيف، وذات قدرات قتالية هائلة، يمكن نشرها في أي مكان تقريباً، وهي بالفعل موجودة في كل مكان تقريباً للتعامل مع أي شيء، دون أن تثير نقد عام واسع، ما لم تسوء الأمور وتفضل المهام.

في العام الماضي، وقعت العديد من الأخطاء وفي أماكن كثيرة.

أولها، كانت الغارة التي شنتها هذه القوات في اليمن. في ليلة 29 يناير/ كانون الثاني، في نهاية الشهر الأول من تولي ترامب منصبه في البيت الأبيض، قُتِل أحد أفراد قوات البحرية وأصيب ثلاثة آخرون في غارة على مجمع تابع للقاعدة في اليمن.

تُحمَل قوات العمليات الخاصة أكثر من طاقتها وتُكلف بمهام في أماكن شاسعة وتُنهك قواها، إلى حد “خلخلة صفوفها”، وفق ما صرح به قائد العمليات الخاصة السابق الجنرال جوزيف فوتيل، في عام 2014. وهناك علامات تدل أن هذا التوجه يؤدي بالفعل إلى نتائج مأساوية.

ثمة مزاعم عن ارتكاب أعضاء قوات العمليات الخاصة مجازر ضد المدنيين في الصومال، وقد صرح البنتاغون أنه أجرى تحقيقاً في الموضوع ودحض هذه المزاعم، لكن لا يزال من المقرر عقد جلسات استماع في الكونغرس بهذا الشأن. وبشكل أقل ظهوراً، هناك ادعاءات حول تخفيض مستوى المعايير لزيادة الأصوات المُرددة للشواغل الدائمة في وحدات النخبة، التي يبدو أنها أصبحت أكثر حدة في الآونة الأخيرة.

يُركز المدير المساعد لمركز الدراسات الأمنية في جامعة “جورج تاون”، وعقيد متقاعد في القوات الخاصة ديفيد ماكسويل، في مقابلة صحفية، على غياب استراتيجية أمنية وطنية متماسكة وموحدة، وباعتبار ذلك، المشكلة الأساسية التي تؤثر على سير عمل قوات العمليات الخاصة والجيش بشكل عام.

وقال ماكسويل، “هناك الكثير من الأشخاص الرائعين الذين يقومون بالكثير من الأشياء العظيمة، ويحققون الكثير من التأثيرات التكتيكية، ولكن الخلل يكمن في فشلنا في تنسيق جيد في الاستراتيجية، هذا الأمر لم نوفق فيه”. وأشار إلى الكابوس المستمر لانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا كمثال أساسي على ذلك، موضحا “إن ما رأيناه في سوريا وفي الكثير من هذه الأماكن هو استعمال القوات الخاصة لنثبت أننا نقوم بشيء ما”.

أجل من الأسهل الاستمرار في “القيام بشيء”، والضغط على “الزر السهل” مراراً وتكراراً، عندما يكون أفراد الفيلق الأجنبي هم وحدهم من يدفع الثمن بحياتهم.

لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

مواضيع ذات صلة