غنائم “داعش” تباع في “سوق العلوج” بأربيل بسعر التراب

اسرار ميديا يلاحظ الخمسيني الكردي باوكى رزكار نظرة الارتياب على وجه صديقه الباحث عن شراء سيارة جيدة بسعر التراب ، بينما يقوده عبر طرق ودهاليز أكبر سوق للسيارات المشبوهة في […]

اسرار ميديا

يلاحظ الخمسيني الكردي باوكى رزكار نظرة الارتياب على وجه صديقه الباحث عن شراء سيارة جيدة بسعر التراب ، بينما يقوده عبر طرق ودهاليز أكبر سوق للسيارات المشبوهة في عموم إقليم كردستان العراق ومدينة أربيل، حيث يمكن للمرء في هذا المكان اقتناء سيارة مسروقة أو مخالفة لشروط الاستيراد الجمركي أو سيارة دفع رباعي استولى عليها تنظيم داعش من الجيش العراقي، وما زالت تحمل لونها العسكري وربما حتى غبار آخر معركة استخدمت فيها أو حتى سيارة حكومية مسروقة منذ عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

ويقع المكان المعروف بسوق “سيارات العلوج” في جنوب مدينة أربيل شمالي العراق على الطريق الذي يربطها بقضاء مخمور الذي شهد في أيلول/سبتمبر الماضي إقامة أكبر قاعدة أميركية لدعم القوات العراقية المشاركة في تحرير منطقة الحويجة من سيطرة مسلحي تنظيم “داعش”، ويمتد على مساحة نصف كيلومتر مربع ويضم معارض تعمل بشكل شرعي في بيع كافة أنواع السيارات القانونية، وأخرى تبيع السيارات التي تجمع بين صفتي عدم القانونية ورخص الثمن، وهي خلطة يفضلها الكثير من الباحثين عن سيارة بأي ثمن، وتجعل من حركة السوق رائجة بغض النظر عن الأزمة الاقتصادية التي يمهر بها الإقليم كما يقول رزكار.

أسعار أقل من السوق

يتولى باوكى رزكار (تعني بالعربية أبو تحرير) التعامل بحذر مع أصحاب المعارض التي يضم بعضها بضع سيارات كانت تخص مقاتلي تنظيم داعش والذين يتحدثون معه ويتفاوضون بريبة ولا يبدون أي ثقة بالزبائن ويطلبون سعرا نهائيا غير قابل للمساومة، لأنهم لا يرغبون في رؤية المشتري مرة أخرى بعد إتمام صفقة البيع، كما يقول لمعد التحقيق، ومن هؤلاء أزاد حمه الذي يمثل دور الوسيط بين المشتري وشخصين كانا يعملان ضمن قوات البشمركة الكردية ويمتلكان سيارتين حصلا عليهما بعد معركة مع عناصر التنظيم في منطقة سنجار التابعة لمحافظة نينوى.

ويرفض البائع سيد إدريس الهبوط بالسعر إلى أقل من 11 آلاف دولار أميركي مقابل سيارة تويوتا هاي لوكس طراز 2013 مؤكداً أن مثيلاتها تباع بــ17 ألف دولار في الأسواق الاعتيادية ولكن انعدام الأوراق القانونية للسيارة تجعله يقبل بهذا السعر، فيما يتمسك زميله بمبلغ 15 ألف دولار أميركي لبيع سيارة شيفروليه سلفرادو طراز 2014 مذكراً بأن ثمنها لو كانت مسجلة بشكل أصولي لن يقل عن 21 ألف دولار أميركي في الأسواق.

ولا يملك سيد إدريس حالياً غير هذه السيارة ضمن فئة “داعش” ولا ينوي التنازل في سعرها، ولكنه أرشد باوكي رزكار الى أحد أبناء عمومته ويسكن في قضاء ديانا (103 كم شمال أربيل) ويمتلك سيارة مشابهة وهو بحاجة سريعة للمال، وربما يبيعها بسعر جيد مزودا إياه برقم هاتفه ورسالة توصية شفهية منه.

كيف يتجولون بسيارات مسروقة؟

يمكن لمشتري سيارات “داعش” أن يستعملها باتباع إحدى طريقتين، الأولى أن يكون عنصراً أمنياً ويستخدم هوية التعريف الخاصة به في اجتياز أي نقطة تفتيش عسكرية أو مرورية، وهو في هذه الحالة يحتاج إلى لوحة مزورة تحمل اسم وزارة البشمركة أو قوات الزيرفاني “النخبة” وربما لا يحتاجها إذا كان يتنقل في منطقة بعيدة عن مركز المدينة، بينما يوجد خيار آخر خاص بالمدنيين ويتلخص بإزالة الطلاء العسكري وتركيب لوحة مزورة أيضا ولكن تحمل رقما أجنبيا خاصا بالتصدير، وهي شائعة في مناطق أطراف أربيل، وفق ما قاله العسكري كوران برادوستي قريب البائع سيد إدريس، والذي عرض خدماته بتوفير من يزيل الطلاء العسكري عن السيارة وتزويدها بلوحات التصدير مقابل مبلغ 350 دولارا أميركيا في حال رغبنا باستخدامها في مناطق الأطراف، فيما قام بتعديل المقترح بعد سماعه رغبتنا في قيادة السيارة داخل أربيل وتكفل بتأمين لوحات مزورة، خاصة بالمحافظات العراقية الجنوبية مع بطاقة ملكية للسيارة تسمى “أرم”.

105 آلاف سيارة مشبوهة في الإقليم

يصف مدير إعلام وزارة البشمركة العميد هلكورد حكمت جميع الآليات التي تم الاستيلاء عليها من تنظيم داعش الإرهابي بـ”غنائم الحرب” قائلا إنها محفوظة لديهم، ولا يستطيع أي فرد أن يتصرف بها، قبل أن يكمل: “في حال رصد أي عمليات بيع ومتاجرة بهذه الآليات من قبل عناصرنا سنقدم هذا الجندي إلى محكمة عسكرية تتولى إيقاع العقوبة المنصوص عليها بحقه”، وأضاف هلكورد لـ”العربي الجديد” أن “عشرات الدبابات وعربات الهمر والسيارات المختلفة ومئات قطع الأسلحة المتنوعة وآلاف العبوات المفككة التي تم الاستيلاء عليها أثناء المعارك التي خاضتها البشمركة ضد عناصر تنظيم داعش، ستستخدم لافتتاح متحف للعمليات العسكرية التي خاضتها البشمركة ومن أجل أن تطلع الأجيال القادمة على جرائم تنظيم داعش الإرهابي.

ويتفق العميد أحمد عبد الستار الساعدي عضو غرفة التنسيق المشترك مع العميد هلكورد، قائلا “بشكل عام جميع مخلفات داعش غير الحربية كالأموال والأجهزة الإلكترونية والسيارات الصغيرة والكبيرة يتم التحفظ عليها من قبل القوات العراقية ضمن لجنة خاصة بذلك تقوم بمراجعة أرقام السيارات تلك وظهر أن نحو 50% منها مسروقة وتعود لمواطنين قام التنظيم بالاستيلاء عليها في حين توجد أخرى لا أصل لها ولا تحمل لوحات تسجيل، وهذه يتم التحفظ عليها ولم يتقرر حتى الآن مصيرها كون التحقيق في ملفات المدن المحررة ما زال قائما”، لكن مصدرا أمنيا في شرطة بغداد أكد لـ”العربي الجديد” إن “سيارات تابعة لداعش استولت عليها فصائل قاتلت التنظيم ودخلوا بها إلى المدن، وحاليا رئيس الوزراء أمر بإيقاف أي سيارة لا تملك أوراقاً نظامية ولا تحمل لوحات، كون كثير من الجرائم ارتكبت من خلالها”، وهو ما أكده ضابط برتبة نقيب متخصص في تسجيل السيارات وتحويل ملكيتها في مرور أربيل، قائلا “رصدنا تزايد استصدار كارت (أرم) التعريفي الذي كان في الأساس يتم تخصيصه للسيارات الوافدة إلى الإقليم من المحافظات الجنوبية والوسطى من العراق، قبل أن يتحول في الوقت الحالي إلى وثيقة تسجيل مؤقتة وشكلية للسيارات المجهولة المصدر الموجودة في مدن إقليم كردستان”.

واشترط النقيب عدم ذكر اسمه لحساسية الموضوع، قائلا “سيارات “داعش” جزء إضافي من مشكلة كبيرة نعاني منها باتت تعرف بـ “سيارات العلوج” التي يصل عددها إلى 105 آلاف سيارة في عموم الإقليم، منها المخالف لشروط الاستيراد أو لا تسري عليها تعليمات التسجيل داخل الإقليم، فضلاً عن أخرى مسروقة أو تم جلبها من بغداد أو المحافظات خلال الفوضى الأمنية التي شهدها العراق بعد عام 2003.

وبحسب المصدر فإن مديرية المرور في أربيل خاطبت عبر كتاب رسمي يحمل رقم 16 لسنة 2005 وزارة الداخلية في حكومة الإقليم من أجل التحرك لإغلاق جميع أماكن بيع السيارات المشبوهة وإصدار قرار حاسم يخص هذا النوع من السيارات، وكرروا المخاطبات لاحقاً، ولكنهم لم يتلقوا لحد الآن جواباً عليها، وهو ما يعني “وفقاً لمحدثنا” أن الوضع باقٍ على ما هو عليه، برغم التحذيرات المستمرة من الخطورة التي يشكلها هذا النوع من السيارات على الوضع الأمني واحتمال استخدامها في أعمال إجرامية.

برلماني سابق: لم نتوصل إلى حل للمشكلة

من جهته يتفق البرلماني الكردي السابق أراس فتاح مع النقيب في مرور أربيل حول إمكانية استخدام هذه السيارات في الأعمال الإجرامية، وبالتحديد سيارات داعش ذات اللون العسكري، لافتاً إلى وقوع عدد من جرائم السرقة بالإكراه نفذها أشخاص انتحلوا صفة العناصر الأمنية واستهدفوا بالدرجة الأولى المجمعات السكنية الاستثمارية في أربيل والتي يشكل الوافدون من المحافظات الوسطى والجنوبية أغلب ساكنيها.

وكان البرلمان الكردي قد أعد في وقت سابق مشروعا مشتركا بين لجنة تعود إليه، وأخرى من الحكومة المحلية في أربيل ووزارة الداخلية لوضع تصور عن الكيفية التي تتم بها معالجة مشكلة السيارات المشبوهة وبشكل جذري، على أن تخضع جميعها لفحص أمني دقيق يبين إن كانت مسجلة في أي منطقة من الإقليم أو باقي أجزاء العراق على أنها مسروقة أو استخدمت في عمل إجرامي، وفقاً للنائب السابق.

ويقر فتاح في حديثه لـ”العربي الجديد” بعدم تحقيق أي تقدم في هذا الملف، سواء من قبل البرلمان أو وزارة الداخلية أو حتى حكومة الإقليم منذ طرح الموضوع علنا للمرة الأولى في عام 2005، في وقت تشهد تجارة السيارات المشبوهة تصاعداً ملحوظاً وخصوصاً بعد الأزمة المالية الناجمة عن عدم تسليم رواتب الموظفين وتداعيات أحداث كركوك الأخيرة وهو ما دفع المواطن المنهك مادياً إلى البحث عن السيارات الرخيصة في المعارض التي تبيع سيارات العلوج.

عودة أخيرة

بالرجوع مرة أخيرة إلى معارض سيارات العلوج فإن الوسيط أزاد حمه كان يشرف على اللمسات الأخيرة لبيع سيارة أوبل طراز 1990 وتحمل لوحة تسجيل مصنوعة من قطعة صفيح قديمة وبألوان باهتة، كتبت عليها عبارة “نينوى فحص مؤقت” وبسعر 1200 دولار، ويطمئن المشتري إلى إمكانية تسجيلها بنظام كارت (ألارم) دون وجود أي مشاكل أو مخاوف.

تعقيباً على سؤال مرافقنا باوكى رزكار عن إمكانية أن تكون السيارة مسروقة أو مطلوبة لجهة أمنية ردّ بنبرة عصبية قائلا “دفع الغرامات ورسوم فحص المتانة، هو المهم لدى دائرة المرور”.

مواضيع ذات صلة