عوامل وأسس تقدير الموقف الراهن في الإقليم

اسرار ميديا لا يمكن التنبؤ بحوادث السياسة واحتمالات التصعيد أو التهدئة من خلال أحداث منفصلة أو عوارض طارئة، بل وليست التصريحات والتهديدات العلنية الصريحة مؤشراً دائماً على حدث جديد. وكي […]

اسرار ميديا

لا يمكن التنبؤ بحوادث السياسة واحتمالات التصعيد أو التهدئة من خلال أحداث منفصلة أو عوارض طارئة، بل وليست التصريحات والتهديدات العلنية الصريحة مؤشراً دائماً على حدث جديد.

وكي نحاول دوما الوصول لتوقع دقيق بعيداً عن الحدس والتنبؤ والتنجيم، ينبغي رصد الصورة الكلية ورصد التطورات بالتفاصيل، ومحاولة الربط للخروج بتوقع مبني على اجتهاد وأساس وفي هذه الحالة يكون قريباً من الصحة، ان لم يكن صحيحا.

ومن بين ما ينبغي مراقبته في الفترة الراهنة، التطورات التي طرأت على سلوك العدو ومعسكره، وكذلك التطورات الداخلية لدى المنطقة وطريقة التعاطي والتفاعل الشعبي، كما ينبغي النظر لكامل الخريطة ومتابعة تحركات العدو في الجبهات المختلفة، لفرز ومعرفة المناورات، وهو ما يمكن ان نسميه منهجا شاملا للتحليل.

ويمكننا أن نضرب مثلا لتبيان ما نقوله:

إن عدم حدوث تصعيد ووجود فترة من التهدئة يمكن أن تعكس أموراً مختلفة بل ومتناقضة. فمثلاً، يمكن أن تُعتبر التهدئة أعداداً أو تمويها يتبعه تصعيد غادر، أو عجز عن فعل أي شئ، أو انسحاب من التصعيد بشكل غير مباشر لحفظ ماء الوجه، أو اية احتمالات أخرى يمكن ان يتطرق اليها العقل.

كذلك التصعيد يمكن أن يعكس أموراً مختلفة ومتناقضة. فهو قد يعكس قوة وغلبة ورغبة في حسم ملف أو قضية، وقد يعكس نوعا من التحريك بغية التفاوض، وقد يعكس اليأس وعدم تحمل حالة الركود والتهدئة لأنها لا تصب في صالحه، ويمكن استنتاج احتمالات اخرى لمن يجتهد في تتبع ومحاولة استكشاف دلالات التصعيد.

وبالطبع فإن حالة التصعيد والتهدئة ظاهرة ولا يختلف عليها، ولكن ما يفرق بين الاحتمالات المختلفة الكامنة وراء أي حالة، ويجعلنا ننحاز لأحدها على حساب الآخر، هو اتباع المنهج الشامل المشار اليه.

تعيش المنطقة الآن وضعا صعباً، حيث يوجد خلل في توصيف الحالة التي لا ينبغي أن يكون حولها خلاف. فلا نستطيع القول أن هناك تصعيدا، وكذلك لا نستطيع القول أن هناك تهدئة. كما تتداخل الاحتمالات وتتقارب بشكل عصيّ على القراءة في أحوال عديدة. فتصعيد العدو الصهيوني يعكس نوعا من اليأس بسبب صمود المقاومة، كما يعكس عدم تحمل بقاء الوضع الراهن، لأنه يرى ان الوضع ليس في صالحه وان المقاومة ستنمو في قلوب الجماهير بفضل نجاحها، قبل أن تنمو على حدود كيانه بشكل مادي، ومن هنا فهو قد يصعد من منطلق خيار “هدم المعبد”.

وتصعيد العدو ايضا يعكس تحريكا بغية التفاوض والحصول بالسياسة على مكاسب عجز عن تحصيلها بالحرب، اي انه نوع من انواع دفع الامور لحافة الهاوية للتفاوض والاتفاق.

كل احتمالات تصعيد العدو واردة الا احتمال القوة والغلبة، لانه لو كان موجوداً لكان تمادى فيه دون أدنى شك.
وكذلك التهدئة الراهنة والمشوبة بممارسات تصعيدية ناعمة، تعكس في بعض جوانبها عجزا عن الحسم بالقوة، الا انها لا تخلو من كمون واعداد او على الاقل استعداد لمعركة قادمة.

المتأمل لما طرأ على العدو الامريكي والصهيوني، يرى ان هناك عجزا امام المقاومة او الممانعة، يحاول ترميمه باجراءات او خطابات، لا تحمل فاعلية بقدر ما تعكس عصبية.

فالخروج الامريكي من الاتفاق النووي لا يحمل فاعلية، بل قد ترتد اضراره على امريكا، وكذلك نقل السفارة الامريكية للقدس المحتلة، لن يغير من الحقوق شيئا طالما لم يعترف الفلسطينيون به، كذلك التهديدات المكثفة لكوريا الشمالية، وما تبعها من تنازل امريكي مقابل لقاء شكلي، بدا به الزعيم الكوري هو الطرف الأقوى!

هذا سلوك الراعي للكيان الاسرائيلي، ومن هنا ليسغريبا ان تتواتر الزيارات الاسرائيلية لموسكو للاستجداء ولارسال الرسائل المبطنة للمقاومة.

لو كانت امور العدو ومعسكره بخير، لتحكم في دفة التصعيد من منطلق القوة، ولخاطب الروس والمقاومة من منبر عال وواثق، ولكن صمود المقاومة وثبات الروس، اجبر المعسكر المعادي على التأرجح والارتباك والاستجداء.

كل هذا يثبتنا على خيار المقاومة ويجعلنا فخورين بالانتماء الى محورها، ولكن هل الامور آمنة والصورة وردية والنصر تحقق بشكل تام؟ العدو دائما يتميز بالغدر، والشواهد تخدم هذه الاحتمالات الغادرة، سواء عودة حاملة الطائرات الامريكية هاري ترومان الى قبالة السواحل السورية، او ما يحاك لتصفية القضية الفلسطينية والعصا والجزرة التي يعامل بها الاردن والسلطة الفلسطينية، ومحاولة حسم امتلاك مفاتيح البحر الاحمر ومعركة الحديدة المرتقبة في اليمن.

كل الاحتمالات تقول اننا لسنا في حال تهدئة، ولا يشترط أننا في حال تصعيد، ولكن اذا حدث التصعيد، فالمقاومة مستعدة. نحن في معركة وجودية تشهد جولات، والنصر النهائي هو نصر وجودي باسترداد كامل الحقوق وزوال هذا الكيان الغاصب، وهذه المعركة تشبه جولات لعبة الملاكمة، وفيها المنتصر يكون اما بالقاضية، واما بالنقاط.

وحتى الآن فالنقاط في صالح المقاومة بتوقيتها للضربات ومبادرتها بضربات وامتلاك الردع، وكل هدف العدو أن يكسب المعركة بالضربة القاضية، وهو ما تم افشاله، بعد حدوث توازن الرعب. ستظل النقاط في صالح المقاومة الى أن تتمكن من النصر بالقاضية عما قريب.

*المصدر : العهد

مواضيع ذات صلة