عام على تحرير الموصل

اسرار ميديا هشام الهاشمي تاريخيا هزمت داعش في أهم معقل لها الموصل القديمة، لكن الأسباب التي صنعت داعش والأفكار التي غرسوها في عقول وقلوب المؤمنين بهم وأنصارهم في العراق وسورية […]

اسرار ميديا

هشام الهاشمي

تاريخيا هزمت داعش في أهم معقل لها الموصل القديمة، لكن الأسباب التي صنعت داعش والأفكار التي غرسوها في عقول وقلوب المؤمنين بهم وأنصارهم في العراق وسورية لم يتؤكد أنها هزمت أو اجتثت، وبعد عام على تحرير الموصل ظهرت فلول وخلايا لوجستية تتفاعل مع هذه الأفكار الهدمية، حيث كانت لهذة الأفكار مكانا خصبا في أرياف المدن المحررة والمناطق المفتوحة، وظهرت روح التطرّف ظهورا واضحا في مناطق الجبال والتلال وصحراء البعاج والحضر، وردا على هزيمتهم لجأت فلول داعش الى اغتيالات منظمة للمختارين المناطقيين وشيوخ العشائر وقادة الحشد العشائري والمناطقي، وأختيار الرموز كهدف للتصفية، لأجل إرهاب عامة الناس من العودة وايضاً تخويفهم وردعهم من التعاون مع القوات الحكومية وإجبارهم على دفع الأتاوت، حرب الأذرع الطويلة التي تصل الى اعدائهم حيثما كانوا، بأساليب المقاتل الشبح، نموذج لعمليات إرهابية حتى يفقد المواطن ثقته بالأمن وايضاً تحريك الرأي العام بتجاه فوضى قومية او طائفية في المناطق المتنازع عليها والمختلطة دينيا.
منظمات دولية ومحلية اعتُمدت في ملف اعادة الاندماج المجتمعي والعلاج النفسي والتربوي ومساعدة المدن المحررة على تمكين الاستقرار، ولأن البعض من إدارات هذه المنظمات كانت مليئة بحب الإعلام وصناعة الصورة التي تؤشر التفاؤل، وبرامج تنشط الشعور بالأمن وحب الناس والحياة بغض النظر عن الواقع المر.

ظهرت الحقيقة بعد عام من تحرير الموصل أدرك أهالي الموصل القديمة أن برامج الترفيه لم تصنع لهم حلا حقيقا فلا تزال الجثث تحت الانقاض والمئات من مجهولي المصير وأكثر من 90‎%‎ نسبة الدمار هناك وعشرات الألوف بالمهجر بحسب تقارير منشورة لأقسام متخصصة في بعثة الأمم المتحدة، وقد أصبحت المشكلة أكثر تعقيدا مع عودة الفساد الإداري المحلي والحكومي في ملف الإعمار.

لم تنحصر صلتي بنينوى في هذا الجانب المؤلم، ولكن ثمة الكثير من الجوانب المشرقة هناك، بعضها اليوم فوق الركام، واُخرى في عداد الشهداء والضحايا، من بينها اصحاب صفحات تويتر وفيسبوك التي نجحت بإدارة حرب نفسية متكاملة بالضد من داعش ايّام الاحتلال والتحرير، وفِي الحقيقة أن العشرات من اصحاب هذه الحسابات في مواقع التواصل الإجتماعي نجحوا إن يصنعوا جيشا يعمل من أجل محاربة داعش إعلاميا ومن كل ابناء العراق كان مثارة للإعجاب.

الموصل القديمة كانت الفتى الذهبي الذي أضاعوه ولَم يكن هناك بد لتحريرها من لوثة الأحتلال الداعشي الا بفركها. لكن مع كل هذا الدمار المادي والمعنوي، هل تعود داعش فكريا او عسكريا لأحتلال الموصل مرة أخرى؟
يرى احد ضباط الفرقة 15 جيش عراقي؛ “أن هذه المخاوف ليست واقعية ومن المستحيل أن تُكرر النكسة مرة أخرى، هذه الهلوسات مفتعلة لأسباب قومية وطائفية وعشائرية وسياسية بقصد الضغط على الرأي العام لتسريع الاعمار وإنجاز مهام التطهير ورفع الانقاض”

اليوم الشارع الموصلي المسلم والمسيحي والايزيدي والعربي والكردي والتركماني والشبكي، لا يخلو من التطرّف بسبب الذكريات المؤلمة التي تعيش في نفوسهم، وقد تدفع بالبعض منهم الى الثأر خارج القانون، الشيء المفرح اليوم أن التطرّف ليس هو المتفوق بالموصل، الخط المعتدل هو الأرجح في هذه المرحلة.
يُبين احد الأباء من رعاة احدى الكنائس المدمرة في المدينة القديمة: “بالغ بعض المنتمين الى غير المسلمين السنة في تعميم توحش ارهاب داعش على المسلمين السنة، في حين عامة المسلمين السنة وضعهم ومواقفهم مختلفة تماما عن أفكار التطرّف”.
لدي أصدقاء من التركمان الشيعية ممن هربوا من الموصل القديمة في اول ايّام احتلال داعش، ينظرون الى المسألة من زاوية أخرى؛ ضرورة التأكيد والتثقيف على وحدة المصير لكل مكونات الموصل، مما يعني أن التطرّف الذي يرهب البعض يرهب الكل بالضرورة.
ناشط ايزيدي في مجال العمل الإغاثي، يقول: “نحن كايزيدين مصيرنا ومستقبلنا وهويتنا غير منفصلين عن نينوى، وإذا كانت نينوى بخطر فسنجار وسهل نينوى بخطر كبير..”.

يعتبر سلمان الشبكي مواطن يسكن شرق الساحل الأيسر هجرته وحدات داعش في ايّام احتلالها؛ ” شكلت مناطق الساحل الأيسر من الموصل وسهل نينوى جغرافيا حوار ومراجعات مميزة مع المسلمين السنة، كانت مناطق شرق الموصل دوما مختلطة الأعراق والديانات والطوائف والعشائر، ولذلك نجحت في حل النزاعات التي خلفها احتلال داعش بالحوار اقل تعقيدا من باقي مناطق نينوى، لدينا خبرة إيجابية جدا، من حيث الحوار والتعايش وتقاسم ضيق الحياة وسعتها..”
الإنجاز الفاصلة في تاريخ الموصل بعد داعش في احياء الحوار بين مكوناتها، لاحظت لما زرت سهل نينوى في آذار,مارس 2018 أن العلاقة بين الأهالي قد تعافت وهي مختلفة تماما عما كانت عليه قبل تحرير الموصل، سألت سائق تكسي من عشيرة اللهيب، لماذا تركتم الأقليات من غير المسلمين السنة تدفع وحدها فاتورة توحش داعش؟
قال:” نحن طبعا كنّا نعيش الصدمة، ولكن لما انطلقت عمليات التحرير بعد عامين عدنا من مخيمات النزوح وبادرنا بحمل السلاح مع الحشد الشعبي وطالبنا القيادة المشتركة أن نكون اول من يحارب في شرق الموصل، شعب نينوى عموما غير مؤمن ولا متعاطف مع التطرّف والإرهاب ولدينا من كل عشيرة متطرفين خرقوا هذا التعميم..”.

نصيحتي لأهل الموصل القديمة لا تتكأوا على تمويل الحكومة وبرامج اعادة الاعمار ولا على المنظمات الدولية فهناك مدن منكوبة تحررت قبل ثلاث سنوات ولَم تعمر حكوميا الى اليوم، عاد أهلها وبأمكاناتهم المحدودة عمروا بيوتهم وساهموا في عودة تجاراتهم وأسواقهم ودوائرهم الخدمية ونظفوا شوارعهم وطرقاتهم من مخلفات الحرب وعادة الحياة نسبيا وبالتدريج، مدينة الرمادي المنكوبة مثلا، ربما تساعد الحكومة والمنظمات الدولية لكنها لن تكون بفترة زمنية قصيرة، واما التعويضات المالية لا أظن الحكومة في حالة اقتصادية ان تعوض اي متضرر بمبالغ تعينه على ترميم او اعادة بناء بيته او دكانه او مصنعه او مخزنه بشكل كامل او عودته مثلما كان أولا..

عندي أمل أن سكّان الموصل شعب حي، عاملون ولذلك هم باقون مع كل مصائب الحرب التي وقعت عليهم، حياتهم لا تأتيهم من وعود حكومية طويلة الأمد ولا من منظمة دولية ولا من مساعدة سياسية او حزبية، حياتهم تأتيهم من وعيهم الطهوري ومن حبهم لجسد مدينتهم القديمة الجريحة التي تحتاج إليهم قبل غيرهم لتشفى.

مواضيع ذات صلة