زيارات مسؤولي الأمم المتحدة إلى دمشق: حين تتلطى السياسة وراء العناوين الإنسانية

اسرار میديا محمد عيد كثيراً ما ينظر المسؤولون السوريون بعين المستريب إلى كل زيارة تحمل “عنوانا انسانيا” يقوم بها مسؤول أممي إلى سوريا، التجربة مع الأمم المتحدة في هذا الإطار […]

اسرار میديا

محمد عيد

كثيراً ما ينظر المسؤولون السوريون بعين المستريب إلى كل زيارة تحمل “عنوانا انسانيا” يقوم بها مسؤول أممي إلى سوريا، التجربة مع الأمم المتحدة في هذا الإطار غير مشجعة سوريا، فالمسؤولون الأمميون يرون بعين واحدة ويتعامون عن حقائق دامغة تدين المجموعات الإرهابية. وزيارة وكيل الأمين العام للأمم المتحدة ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ مارك لوكوك الحالية إلى دمشق لم تشذ عن القاعدة، هكذا وشى به مؤتمره الصحفي الذي رفع من خلاله العنوان الإنساني ومرر المضمون السياسي.

لستم أهلا لثقتنا

“الأمم المتحدة ومن خلال هيمنة الغرب عليها وهيمنة الدول الغنية التي تشكل الطرف الممول لبرامجها لأمر لا يتعلق بإيمانه بالبعد الإنساني بل للإفادة وفرض ما عجزوا عن فرضه بالقوة العسكرية من خلال أدواتهم الإرهابية”، هذا جزء من حديث مطول أدلى به نائب وزير الخارجية السوري الدكتور فيصل المقداد لموقع العهد الإخباري في وقت سابق من العام 2017.

وجاء المؤتمر الصحفي لوكيل الأمين العام للأمم المتحدة ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ مارك لوكوك الذي عقده أمس في دمشق ليؤكد شكوك الدكتور المقداد ومن ورائه الحكومة السورية حول نوايا الأمم المتحدة.

لوكوك وعلى اعتبار أنها زيارته الأولى لسوريا منذ تبوُّئه منصبه في أيلول من العام الماضي، حاول أن يعطي سردية وصفية لمشاهداته في بعض المناطق التي زارها بقوله: “لقد شاهدت هذا الأسبوع بأم عيني الخسائر الهائلة التي سببتها الأعمال القتالية القاسية والمستمرة منذ نحو سبع سنوات من النزاع في سوريا”، وقد شكّل هذا الحديث ربما التوطئة الفعلية لاستحضار منطقتي “الغوطة الشرقية وإدلب” كأكثر المناطق التي يحاول الغرب اليوم لجم اندفاعة الجيش السوري السريعة فيهما تحت عنوان “تضرر المدنيين في هذه المناطق وعدم وصول المساعدات الإنسانية إليهم”.

لوكوك اضاف في مؤتمره الصحفي الى ما تطرق إليه كل من المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في بيانه الأخير وكذلك المتحدث باسم الأمين العام قبل يوم واحد من مؤتمر لوكوك “يشغلني مصير الناس في الغوطة الشرقية المحاصرة، تلقت الأمم المتحدة تقارير مزعجة بأن مركز الطوارئ الوحيد في مديرة في الغوطة الشرقية المحاصرة، قد أصيب نتيجة للقصف بأضرار أخرجته عن الخدمة، ويقلقني وضع المدنيين المتضررين من تصاعد أعمال العنف في إدلب، إضافة إلى أولئك الرازحين تحت قسوة الظروف في الشمال الشرقي”، وهو موقف يتناغم مع مواقف العديد من الدول التي شكّلت رأس الحربة في العدوان على سورية ولعل ردّ الخارجية السورية على الموقف الفرنسي المتباكي على ما يجري في إدلب يعكس الفهم السوري الدقيق للرغبة الغربية في “التوظيف السياسي للقتال المشروع للجيش السوري ضد النصرة الإرهابية”، كما أفاد مصدر حكومي سوري لـ”موقع العهد”.

حملة اعلامية غربية

يتزامن ذلك كله مع حملات إعلامية عربية وغربية ضخمة تحاول تصوير الجيش السوري بأنه يستهدف المدنيين ويحاصرهم في الغوطة وإدلب رغم أن الوقائع تؤكد سماح الدولة السورية بمرور كل قوافل المساعدات الإنسانية إلى أهالي الغوطة عبر أقرب معبر يتصل بها وهو معبر مخيم الوافدين، رغم كل التقارير التي تؤكد ان الإصرار الغربي على ذلك يعكس الرغبة في ضمان تقديم الدعم وإمكانيات الصمود للمجموعات الإرهابية المسلحة هناك في وجه تمدد الجيش السوري، وهذا ما عكسه مشهد المظاهرات الكبيرة التي خرجت وما زالت تخرج في الغوطة ضد احتكار المسلحين للمعونات ومنعها عن المدنيين هناك، لبيعهم إياها بأثمان باهظة، لدرجة ان مظاهرات الإحتجاج هذه تحولت إلى مطالبات علنية بالدخول في تسويات ومصالحات مع الحكومة السورية أسوة بباقي المناطق، فجوبهت بالقمع وإطلاق النار الحي على المتظاهرين الذين قتل بعضهم، فيما يبدو عجيبا إصرار الغرب على وقف الجيش السوري عملياته في إدلب ضد النصرة المصنفة غربيا بالإرهابية.

ماذا عن المناطق التي يحاصرها الإرهابيون؟

صحيح أن السيد لوكوك أعرب عن قلقه تجاه “القذائف المستمرة التي تطلق من الغوطة الشرقية على دمشق وتتسبب بخسائر مدنية”، لكن هذا التقييم الموضوعي يبدو نقطة في بحر “التهويل” الذي يمارسه الرجل ولو بشكل ضمني ضد الحكومة السورية وهو تهويل اعتادت عليه الأمم المتحدة في كل معركة حساسة يوشك الجيش السوري على كسبها أو تسوية أوشكت الحكومة السورية على إبرامها، كما حصل سابقا في داريا والمعضمية والزبداني وقدسية والتل وغيرها من المناطق، لدرجة أن أحد المدنيين في المعضمية أسرّ لـ”موقع العهد” بأن ممثلي الأمم المتحدة ألحّوا على الأهالي هناك برفض المعونات الحكومية تمهيدا لتعطيل التسوية مع “وعود بممارسة الضغط على الحكومة السورية لإدخال” المساعدات الدولية” إلى هناك، ما فهم كأنه دعوة صريحة وعلنية “للتمسك بالسلاح الخارج عن القانون” حتى آخر لحظة سعيا لكسب المزيد من الأوراق على طاولة المفاوضات، بيد أن قوة التسويات الناعمة وما أحدثته من سمعة جيدة أسقطت في يد الأمم المتحدة التي سارعت في أحايين كثير للإلتحاق بقطار التسويات وإدخال بعض المعونات كي تبقي على الحد الأدنى من مصداقيتها أمام جزء من السوريين الذين تدعي محبتهم والحرص عليهم.

ولكن ماذا بشأن المناطق الموالية للحكومة السورية والتي تحاصرها المجموعات المسلحة وتحول دون وصول المساعدات الإنسانية إليها وهي خلافا للغوطة لا تشتمل على أراض واسعة صالحة للزراعة والموارد فيها شحيحة للغاية فيما الغوطة قادرة بحكم توافر الماء والمساحات الشاسعة على تأمين الإكتفاء الذاتي من الغذاء على أقل تقدير فيما تتعاطى الحكومة السورية بالكثير من المرونة مع عمليات إدخال المساعدات الغذائية والطبية كحال مركز معالجة الكلى في دوما والذي تدخله المساعدات الطبية بشكل دوري، دون اية عوائق ليؤدي خدماته للمدنيين هناك.

كفريا والفوعة

ماذا بشأن بلدتي كفريا والفوعة البلدتان اللتان رفعت الأمم المتحدة اليد عنهما وأوكلت أمر “المجزرة المؤجلة” فيهما لحين يستطيع الإرهابيون اقتحامهما وهما تعيشان على حافة الفناء ولا يسمع أحداً صوتاً من السيد لوكوك أو غيره من المسؤولين الأممين بشأنهما، فيما يتناساهما الإعلام الغربي بشكل نهائي ولايرد ذكرهما في الإعلام العربي المستحضر دائما للفتنة إلا كمواقع متقدمة لما يسميها “الشبيحة” في ريف إدلب مع أن واقعهما الضنك يجب أن يتصدر المشهد الإنساني كأكثر المناطق بؤساً في الأزمة السورية.

المؤتمر الصحفي لوكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ لم يستطع رغم ما أبطنه من تحيز أن ينكر على الحكومة السورية دورها البناء في إيصال المساعدات وتذليل العقبات، “وضعت الخطة ونفذت ضمن حوار وثيق مع الحكومة السورية، ورأيت بنفسي جانبا من هذه الأعمال في حمص، حيث إن التعاون بين السلطات هناك والأمم المتحدة مشجع وأثمر عن إعادة إرساء الخدمات الطبية، وإيجاد مراكز إيواء للنازحين، والعمل على إزالة الأنقاض وإعادة بناء سبل العيش”.

موقف بناء للحكومة السورية لا يمكن للأمم المتحدة تجاهله، ولكن يمكنهم من خلاله ان يمرروا السم في الدسم كما جرت عليه العادة .

*المصدر : العهد

مواضيع ذات صلة