حمى «التشيع السياسي» وهذيان «التسنن السياسي» 

اسرار طارق الدليمي في الدراسة التي أعدّها قبل فترة حول العلاقة بين الاحتلال الأميركي والعراق، يكاد الأكاديمي الأميركي ستفين غراهام يتحوّل إلى جرّاح ماهر. يُشرّح الحالات اليومية لسلوك المكونات في […]

اسرار

طارق الدليمي

في الدراسة التي أعدّها قبل فترة حول العلاقة بين الاحتلال الأميركي والعراق، يكاد الأكاديمي الأميركي ستفين غراهام يتحوّل إلى جرّاح ماهر. يُشرّح الحالات اليومية لسلوك المكونات في البلاد، قبل الاحتلال وبعده، لا سيما حين وصل الصدام العسكري إلى ذروته، أولاً في أعوام 2006 – 2008، وثانيا منذ العام 2013 ولحد الآن. وهو يربط جاهداً من خلال معلوماته الغزيرة بين أحوال الاقتصاد الأمني العراقي، وبين السياسات اليومية للكتل الاجتماعية والسياسية وميليشياتها المسلحة، التي تعبّر عن «التشيع السياسي» و «التسنّن السياسي» في البلاد. والملاحظ أنه لا يعير أهمية إلى أن «الإسلام السياسي» كان شبه موحد قبل الاحتلال، وتحوّل إلى رابطة جديدة تتعاون مع الاحتلال ضمن العملية السياسية. علماً أنه، من الناحية الموضوعية، يمكن القول إن «الإسلام السياسي» في العراق المحتل، تغير مادياً وبصورة متناقضة جدليا بين حدين: سلطة تقبض على زمام الحكومة وبعض مناطق العراق، ومعارضة تحكم أجزاء خارج نطاق السلطة الحكومية، وفي ظل الافتقاد الكامل للدولة بالمعنى السياسي والبيروقراطي.

يحصل هذا فيما الاحتلال يعرقل نمو الدولة الوطنية الواحدة، لكنه يبني في الاتجاه الآخر «مظلة» جديدة لها شبكات إقليمية مهمة، وتتمتع بعلاقات عالمية خاصة في المتروبول وتعبر عن مصالحه، وتستند إلى عقيدة عبادة الخصخصة. في هذا الإطار، فإن الصفقات التجارية الضخمة ومشاريع الاستثمارات الأجنبية والنهب النفطي المتواتر شمالاً وجنوباً، فضلاً عن شبكات النقل البرية والجوية والعقود العابرة للطوائف والمدن والأقاليم، كلها تقع في إطار اقتصاد العنف والحروب الأهلية، والذي تديره وتحميه شركات أمنية عالمية.

يتشابه الاقتصاد الأمني لهذه المجتمعات المبوبة في المدن الأساسية الخاضعة لسيطرة «البيشمركة» أو «داعش» أو «الحشد الشعبي»، الذي يحاول رئيس الوزراء حيدر العبادي أن يجعله شريكاً شرعياً للحكومة المركزية، ولكن من دون جدوى. ويشرف المجمع البريطاني ـ العالمي g4s، ومقره في لندن، على الحاجات الأمنية لهذه التكتلات، علماً أن المجمع يعدّ من أكبر الكارتلات العالمية التي تدير الشركات الأمنية في العراق. وهو يقدم «الرصاصة الفضية» إلى كل من يبحث عن الحماية في المجالات الشخصية والسياسية والمالية، وحتى في حالات الرفاهية والتسلية اليومية. وللمجمع صلات معقدة ومتكاملة وممتدة في طول الأرض العربية وعرضها، كما في الشرق الآسيوي ومدن المتروبول المهمة وعواصمه.

ولا ننسى أن شركات الهاتف النقال والاتصالات المتعددة وشبكات الانترنت في العراق، تخضع كلها إلى روابط موحدة متصلة بهذا المجمع الأسطوري وشقيقاته العالمية. من هنا، يمكن القول من دون مجازفة، إن المظلة التي يؤمنها هذا المجمع لا تحرس المكونات الطوائفية فقط، إنما تدير معاركها اليومية، السياسية والعسكرية، أيضاً. وهذا يأتي في إطار جدول زمني يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بموازين القوى الفاعلة سياسياً وعسكرياً في العراق والإقليم.

وإذا كانت عقيدة عبادة الخصخصة هي العمود الفقري للواقع الأمني والسياسي في العراق، فإن المحاصصة السياسية هي محرّكها الفعلي، والناس هم وقودها اليومي. ويمكن الإشارة إلى ثلاثة نماذج أو أمثلة تظهر طبيعة المحاصصة القائمة، والتشققات الحاصلة داخل كل من المكوّنات المتحاصصة فيما بينها:

أولاً، حين ذهب رئيس الوزراء إلى البرلمان، أفادت تقارير صحافية إلى أنه شرح الوضع السياسي ـ العسكري وأشار إلى استعداده للخروج من الحكم. وقد قال إن هناك جهات من تحالفه السياسي تريد إفشال تجربته وتحاول إطاحته. وأضاف رداً على اتهامات البعض بأنه يميل إلى إيران، إن الأخيرة لديها 100 مستشار في العراق فيما أميركا لديها 3000 مستشار. في موازاة ذلك، برزت مطالبة التيار الصدري بإعادة هيكلة «الحشد الشعبي»، فيما صرّح أحد قادته بأنه لا ينصاع إلى أوامر رئيس الوزراء ويرفض وصايته. وعلّق أحد المحللين في الصحافة اليومية قائلاً إن رئيس الحكومة ما زال يتصرف مثل المالكي، وقد فشل في تحقيق التوازن المطلوب بين أطراف الكوندومينيوم، وتحديداً بين أميركا وإيران.

ثانياً، صرّح عبد العظيم عجمان، النائب في البرلمان عن «اتحاد القوى الوطنية» «السنية»، ومسؤول لجنة الأوقاف والشؤون الدينية، بأن مشكلة «السنّة» هي فقدان ثقتهم بزعاماتهم وبالحكومة، وبأن أميركا دائماً ما أرادت أن تربط تسليح السنّة بوجود قيادة واحدة لهم. حصل هذا في وقت أشارت فيه وكالة محلية إلى أن قبائل الموصل منقسمة ما بين بيعة «داعش» والقتال إلى جانبه، وبين «بيعة» البارزاني والانضمام إلى سنجقه.

ثالثاً، يعيش السنجق الكردي حالاً من التأزم والصراع، قد تصل إلى مديات سياسية مجهولة. ففي أربيل، توجد كتلة كردية مخالفة لطموحات بارزاني في تجديد ولايته للمرة الثالثة. وفي السليمانية تطرح أصوات فعالة في المعارضة (أي «كتلة التغيير») أو في حزب طالباني دعوات للانفصال عن السنجق الموحد، ولإنشاء كيانها الإداري المستقل والخاص. أما محافظ كركوك، نجم الدين كريم، وهو من قادة حزب طالباني، فقد هدد السنجق البارزاني وتوعد حكومة بغداد بإعلان كركوك إقليماً خاصاً ومستقلاً، علما أن المحافظ هذا كان من المرتبطين في واشنطن بالاستخبارات الأميركية، وقد رشح لرئاسة الجمهورية في السنة الماضية.

في خضم السجالات السياسية هذه وقعقعة السلاح في أكثر من منطقة في البلاد، يُفترض ببعض القوى الوطنية القديمة والجديدة، ذات الاتجاه العلماني العابر للطوائف، أن يلتفت إلى أهمية الحفاظ على وحدة العراق وإعادة بناء لحمته الوطنية، بالاستناد إلى عروبته أولاً وتاريخه المشترك وجغرافيته الموحدة ثانياً، علماً أن الحاجة ملحّة للمناداة بذلك صراحة، مع اتخاذ خطوات سياسية جادة ومفصلية، توازياً مع دعوة القوى الكردية إلى اتخاذ موقف شجاع من علاقتها بالعراق: إما الاتحاد الشامل معه ضمن سقف القانون الدستوري الجديد أو الانفصال الكامل عن الوطن. ذلك أن الخلاف بين المذاهب والطوائف مرتبط بدينامية «الإسلام السياسي» وتعقيداته، بينما الصراع مع الكرد جيوسياسي أولاً وأخيراً.

مواضيع ذات صلة