بين المعتقدات الشعبيّة والتفسيرات العلميّة – الأحلام: حالات نفسيّة بامتياز!

اسرار ميديا ما هي الأحلام؟ أهي إشارات تُنبئنا بالمستقبل القريب وإنذارات مسبقة وأحاسيس سادسة كما يقول البعض؟ أم رموز تُفسّر ولادةً أو موتاً أو رزقاً؟ أم هي بكلّ بساطة تعبير […]

اسرار ميديا

ما هي الأحلام؟ أهي إشارات تُنبئنا بالمستقبل القريب وإنذارات مسبقة وأحاسيس سادسة كما يقول البعض؟ أم رموز تُفسّر ولادةً أو موتاً أو رزقاً؟ أم هي بكلّ بساطة تعبير عن حاجات أو رغبات مقموعة أو شهوات مكبوتة في الواقع؟ الحلم ليس سوى تحقيقاً للهواجس الشخصيّة التي تشغل بال الحالم… لكن تبقى التأويلات الشعبيّة الاجتماعيّة متداولة من باب التّخمين وفكّ الرّموز!

غالباً ما يستفيق المرء من حلم، يحاول تفسير معانيه، لاعتقاده أنّه يحمل في طيّاته رسالة مستقبليّة أو إشارة رمزيّة قد يعجز هو عن فهمها، فيلجأ إلى «فكّ الشّفرة» بمساعدة الجيران، أو عبر تصفّح صفحات الإنترنت الخاصّة بتفسير المعاني والرّموز والأحلام… لتكون النتيجة زواجاً أو سفراً أو رزقاً أو ولادة أو حتى مرضاً أو موتاً أو خلافاً! وما هذه إلاّ معتقدات قديمة نتوارثها عبر العقود من أجدادنا، ونصدّقها من حيث ندري أو لا ندري، لما يعطيه التفسير من راحة نفسيّة أو أمل بغدٍ أفضل.

لكن، بالعودة إلى العلم، يختلف الحلم تماماً عمّا نعتقده، فهو ليس إنذاراً ولا رسالة، بل وظيفة نفسيّة تعبّر عن رغبة مكبوتة تتحقّق في أثناء النوم.

باسكال حوراني الاختصاصيّة في علم النفس، تكشف ماهيّة الأحلام وأسبابها، عارضةً تفسيراتها النفسيّة عوض الانغماس في ما قد يفوق القدرة على استيعاب الأمور ببساطة وعلميّة. كما تتطرّق الاختصاصيّة في علم الاجتماع راميا قعيق، إلى أسباب لجوء بعض الناس إلى التفسيرات الشعبيّة للأحلام واعتقادهم برمزيّتها ودلالاتها المستقبليّة.

ما هي الأحلام؟

يقول سيغموند فرويد، مؤسّس مدرسة التحليل النفسيّ وعلم النفس الحديث، إنّ الحلم هو حارس النوم، ولا ينام الإنسان مرتاحاً من دونه. من هنا، تفسّر حوراني: «الحلم وظيفة نفسيّة تحدث أثناء النّوم. فهو سيناريو يتضمّن حالة الإنسان النفسيّة التّي تغيب عنها الرّقابة ليلاً، فيأتي الحلم ليعبّر عن رغبة مكبوتة. يحدث الحلم خلال ساعات الفجر الأولى أو في بداية النوم، ويدوم من عشر إلى خمس عشرة دقيقة». وتشكّل الأحلام نحو 25 في المئة من ساعات النوم، وفق ما جاء في الدراسات.

تُقسم الحياة النفسيّة وفق فرويد، إلى الوعي واللاوعي. فالوعي جزئيّ ويشكّل ما يعرفه الإنسان عن نفسه. أمّا اللاوعي فهو العقل الباطنيّ، أي الأشياء المكبوتة التي لا يعرفها الإنسان عن نفسه، ويمكن الدّخول إليه من خلال الحلم».

تضيف حوراني: «يُعتبر الحلم وظيفة نفسيّة ترمي إلى إشباع رغبات الفرد الدّفينة التي لم يستطع إشباعها في الواقع. إذ إنّ كلّ ما لا يستطيع المرء إنجازه في الواقع، يحدث في حلمه. كما يمكن أن يكون الحلم تتمّة للأشياء التي يفكّر فيها الإنسان أثناء وعيه». فعلى عكس ما يعتقده كثيرون، فإنّ الحلم من منطلق علميّ، لا يتعلّق فعلاً بالحياة المستقبليّة للإنسان». فالأكيد أنّ الحلم يراود الشخص عندما يغطّ في سُبات عميق، أي يكون في مرحلة النوم العميق. فكلّ ما يفكّر فيه المرء أو يشعر به، يرافقه حتّى خلال الليل ويُترجم أحلاماً.

تفسيرات علميّة

كان فرويد أوّل من أعطى الأهميّة للحلم في كتاب تفسير الأحلام الذي ألّفه عام 1899، وتمّ نشره عام 1900، لتفسير أحلام المرضى عبر التحليل النفسيّ للأحلام.

من المؤكد أنّ الأحلام تراود الجميع كلّ ليلة، إلاّ أنّ قسماً منها يزول ولا نعود نذكره فيما قد يعلق بعض الأحلام في ذهننا حتى صباح اليوم التالي. وقد أصبح مؤكّداً أن الحلم من مكوّنات الدّماغ الأساسيّة. إذ يحصل المرء من خلاله على قسط من الرّاحة ويتخلّص ممّا كان يعتريه خلال نهاره الحافل. فيحفظ الدماغ كلّ ما يصادفه خلال الوعي ليحاول تحقيق ما يستطيعه خلال النّوم. تقول حوراني: «يتطرّق العلاج النفسيّ إلى تفسير حلم الشّخص لأنّه يعطي رموزاً تفيد في معرفة تحرّك اللاوعي لتصبح في الوعي الكافي لتقبّل نفسه أو التغيير. ويتمّ استخدام هذه الرّموز لرؤية إمكانيّة الوصول إلى الحلّ. فالحلم موجود لخلق التوازن بين الـ»هو» و»الأنا». فالـ»هو»، وفق علم النفس، هو ما يستطيع المرء فعله، وما هو مسموح فعله، في مقابل المكبوت الذي لا يمكن فعله. أمّا «الأنا»، فترمز إلى المفروض عمله والمحرّمات المأخوذة في الاعتبار. فلتفادي الصّراع، يحلّ الحلم لتحقيق التوازن والتعبير عن كلّ ما هو مكبوت.

تفسير الأحلام

إنّ الذين يتذكّرون الحلم في الصّباح التالي، يكون لديهم نوع من التواصل العميق والثابت مع اللاشعور. فيما الذين لا يستطيعون تذكّر الحلم، يكونون في مرحلة كبت مزدوجة قويّة، فيلجأون إلى التعبير عن كبتهم من خلال الحلم، ويأتي كبت آخر يمنعهم من تذكّر الأمر، إذ تنشأ مناعة داخليّة ومقاومة للاتصال باللاشعور.

يركّز المعالج النفسيّ على أربعة أمور مهمّة لتفسير الأحلام، ألا وهي: التكثيف، الإبدال، الرمزيّة، والتجسيم والتضخيم. توضح حوراني: «التكثيف هو أن يُخبر الحلم عن أشخاص معيّنين وأمور معيّنة في سيناريو ما يدلّ على أمر لا بدّ من تفسيره. الإبدال هو نقل الحلم المتناسق وتسلسل الأحداث. الرمزيّة دلالة على أنّ لكلّ رمز حالة معيّنة. التجسيم والتضخيم هو التطرّق إلى المعاني وقيمة الحلم وكيفيّة إخباره وبأيّ طريقة».

تختلف مدارس تفسير الأحلام من الناحية النفس – تحليليّة. فبالنسبة إلى ألفرد أدلر، الحلم هو وسيلة لإشباع إرادة القوّة وتخطّي الشعور بالنقص. وهذا يعني أنه ليس تكراراً للأحداث الماضية أو خزّاناً للرغبات المكبوتة، بل محاولة للسّيطرة على الوضعيّات الرّاهنة والمقبلة. أمّا كارل يونغ، فيختلف تماماً عن سيغموند فرويد، لأنّه ينظر إلى الحلم بصفته نوعاً من الوحي والرؤيا، ويعبّر عن طاقة النفس اللاواعية التي تضمّ الماضي والحاضر والمستقبل. فيسعى إلى تحرير الحلم واللاوعي من كابوس الجنس والمرض، مشيراً إلى أنّ الحلم يحتوي على معنى جماعي، شامل وإنسانيّ.

رموز ومعتقدات

بعيداً من التفسيرات العمليّة والتحليليّة، لا يزال القسم الأكبر من النّاس «يؤمن» بأنّ الحلم رؤيا مستقبليّة أو تنبيه إلى ما قد يحصل أو حتى رسالة أمل أو بشرى، فيميلون إلى تفسير الرّموز وفكّ معانيها وتحليل مضامينها.

تقول قعيق: «سرت العادة على تفسير كلّ ما قد يحيط بالإنسان عبر اعتماد الرمزيّة المعمّمة في المجتمعات، بحيث باتت عقداً شفوياً يوافق عليه مَن افتقر إلى التفسيرات العلميّة وفضّل الالتزام بالعقليّة السائدة منذ القدم. فقد يبدأ الأمر من باب التسلية وصولاً إلى تصديق أنّ الأحلام إنذارات مسبقة وأحاسيس لما سيحصل في المستقبل القريب».

وتضيف: «في العودة إلى محاولات تفسير الأحلام الشعبيّة، غالباً ما يقول الذين يعمدون إلى محاولة تفسير أحلام المحيطين بهم، إنّها طريقة لفكّ الرموز التي يقولها الحالم لجعلها أموراً ملموسةً، يُفهم معناها، انطلاقاً من خبرتهم في هذا المجال، مُصرّين على أنّ الأمر ليس تكهّناً أو تبصيراً، وإنما هو القدرة على تحويل رموز إلى واقع لتفادي أزمة ما أو ترقّب بشرى مفرحة».

لمَ التفسير؟

من المتعارف عليه، أنّ تفسير الأحلام من باب الهواية، مجرّد وسيلة لتأمين الحوار بين الناس تمهيداً لجمعة أو جلسة (صبحيّة). فغالباً ما تكون هذه طريقة ودّية لاكتشاف ما قد يريد المرء سماعه أو ما قد يخبّئه من أسرار حتى. وقد باتت المعاني والرموز شبه معمّمة بين الناس، إذ يرمز كلّ مشهد إلى أمر معيّن: فإذا رأيت شخصاً ميتاً، فقد كُتب له عمر جديد، وإذا كان المولود بنتاً فهذا دليل رزق، أمّا إذا كان صبياً فهذه إشارة إلى وقوع مصيبة أو أزمة. والفستان الأبيض في الحلم دلالة على مرض أو موت، فيما الفستان الأسود خير وخبر مفرح….

تشير قعيق إلى «أنّ الذين يلجأون إلى تفسير أحلامهم يكونون في حاجة ماسّة إلى سماع خبر ما، يساعدهم على تخطّي القلق. والناس بطبعهم يحبّون الغيب والغموض والتكهّن والأمور المبهمة التي تحتمل التأويل والتي ليس لها تفسير واضح في أذهانهم. لذلك، نرى الاهتمام الواضح بتفسير الأحلام، فيما يفوق إقبال السّيدات على هذا المجال اهتمام الرجال به». وبعض الناس مشهورون بقدرة أحلامهم على إنبائهم بالخبر اليقين، فتراهم يستشيرون الجيران وكبار السنّ، أو حتى يتصفّحون الإنترنت بحثاً عن تفسيرات ومعانٍ تشفي غليلهم وتطمئن بالهم، لأنّهم لن يرتاحوا قبل أن يصبح حلمهم واقعاً – مفرحاً كان أو محزناً – حتى يؤكّدوا «موهبتهم» هذه في استباق المستقبل وتوقّع الآتي!

وترى قعيق أنّ «العادات الشعبيّة القديمة التي كانت آنفاً المصدر الوحيد لحلّ الألغاز، قد تضاءلت مع الوقت لكنّها لم تختفِ كلّياً. فهي أمور متوارثة حتى في مجتمعاتنا الحديثة، بحيث لا يزال قسم كبير من الناس يؤمن بالحلم وبالتبصير، بغضّ النظر عن مستوى الثقافة والوعي لديه، بحيث إنها «عادات اجتماعيّة» تجمع الناس ببعضهم البعض لتبادل الخبرات وتجاذب أطراف الحديث. ففي كلّ منطقة، يذيع صيت امرأة متقدّمة في السنّ، قادرة على تفسير الأحلام حرفياً أو على التبصير في فنجان القهوة… وما على المرء سوى أن يجرّب… ويصدّق!».

ا.م

مواضيع ذات صلة