الشرق الأوسط الذي يتدهور…

اسرار ميديا نبيه البرجي الديبلوماسي الأميركي المخضرم ريتشارد مورفي يسأل: الى أين يذهب (يتدهور) الشرق الأوسط؟! الاجابة جاهزة لدى أساقفة الغيب (اياهم أساقفة العدم) الذين من اكثر من ألف عام […]

اسرار ميديا

نبيه البرجي

الديبلوماسي الأميركي المخضرم ريتشارد مورفي يسأل: الى أين يذهب (يتدهور) الشرق الأوسط؟!

الاجابة جاهزة لدى أساقفة الغيب (اياهم أساقفة العدم) الذين من اكثر من ألف عام يبشرون بأن يوم القيامة وراء الباب. المسألة لا تحتاج سوى الى بعض الأدعية، بمكبرات الصوت، وتزول أميركا، وتزول روسيا، وتزول أوروبا (وتزول اسرائيل). نبقى نحن. نحن فقط باللوثة التوراتية اياها.

رجب طيب اردوغان الذي رأى في احدى قصائده العصماء «أن المآذن حرابنا» وأن «القباب خوذاتنا»، اعتبر أن الاعتداء الأميركي على الاقتصاد التركي اعتداء على «مآذن الصلاة». استطراداً، اعتداء على… الله.

لا اختلاف مع الشيخ السلفي المحلاوي، في مدينة الاسكندرية، الذي قال في خطبة الجمعة «من يكرهني انما يكره الاسلام». أبو الأعلى المودودي، مؤسس الجماعة الاسلامية في الهند البريطانية (1941)، وقد دأب المفكر رضوان السيد على الاستشهاد به قبل أن ينتقل من رفقة سعد الحريري الى رفقة فارس سعيد، رأى «أن التشريع البشري اعتداء على ألوهية الله وحاكميته».

نسأل، مثلما فعل المفكر التونسي عبد الوهاب المؤدب في كتابه «مرض الاسلام»، لماذا اصرار الفقهاء على الغاء الكائن البشري، العقل البشري؟ لاحظ أن هذه هي المشكلة الكبرى. المسلمون حالات، أوظواهر، عدمية لا أكثر.

اردوغان صعد الى المئذنة لكي يقاتل دونالد ترامب. الأميركيون يحفرون تحت الباب العالي. رجلهم الذهبي هوفتح الله غولن الذي بهرهم بكيفية تصنيع اتباعه.

أئمة المساجد في المدن، والدساكر، التركية أطلقوا الأدعية لحماية الليرة التركية من شرور أهل الكفر.

حين تعيش تركيا التي بناها كمال أتاتورك بمفاهيم، وبمعايير, الحداثة الغربية، ذلك القلق الميتافيزيقي، بل والقلق الوجودي الذي يدفع اردوغان الى وصف الأناضول بالجدار الذي اذا تهاوى تهاوى الشرق الأوسط وافريقيا، وآسيا الوسطى، والبلقان، والقوقاز (هذا هو تصريحه الأخير).

هل حقاً هي خطة أميركية (يهودية) لتقويض الدول المركزية في المنطقة؟

ايران أيضاً، بنظامها التيوقراطي المعقد، وبالتعبئة الايديولوجية الحديدية، وبالتركيبة الملتبسة للسلطة، تبدوأمام ازمات لا تتدحرج كما كرة الثلج وانما كما كرة النار.

لا جدال في الحنكة الايرانية في المقاربات السياسية وفي المقاربات الاستراتيجية. هذا ما يظهر جلياً في أدائها الجيوبوليتيكي. واذا كان العراق ساحتها الكبرى فاين هوالعراق الآن؟ واذا كان اليمن حلبة الصراع بينها وبين السعودية، فقد تحوّل اللعب في اليمن الى اللعب مع الحطام.

ايران متعبة في وجه ذلك المهرج بالشخصية الفضائحية.

لا دور لمصر في ادارة الرياح في المنطقة. عبد الفتاح السيسي يعيش هاجس «أفواه وأرانب». يعتقد أن التدهور الذي حصل في سعر صرف الجنيه لا يمكن الا ان يكون مبرمجاً.

كان عليه ان يبقى داخل الحالة التي رسمت لمصر منذ اتفاقية كمب ديفيد ولا يبتعد قيد أنملة.

السعودية، العملاق المالي والعضوفي مجموعة العشرين، ليست، في أي حال، أفضل حالاً. أسباب كثيرة تجعل «رؤية 2030» تتعثر. الأخذ بالمعادلة الصينية، حيث المساكنة بين الديكتاتورية (هنا الديكتاتورية القبلية) والديناميكية الاقتصادية غير ممكن. ثقافة قطع الرؤوس وتفريغ الرؤوس قائمة على قدم وساق.

هذه هي صورة الدول المركزية في الشرق الأوسط. الاله الأميركي يضرب الجميع على ظهورهم بل وعلى رؤوسهم. حيال تلك «الكوميديا الالهية»، «التراجيديا الالهية»، يخوض ملوك الطوائف في لبنان صراع الحقائب، وصراع المقاعد.

الفرنسيون الذين اخترعوا، قيصرياً، «دولة لبنان الكبير»، ربما في لحظة رومانسية أوفي لحظة شاعرية، هم من يحذرون من الانزلاق الدراماتيكي نحواللادولة على خلفية التآكل البنيوي في كل مجالات الحياة.

ريتشارد مورفي الذي قرع جرس الانذار من المفاعيل الكارثية على المصالح الأميركية اذا ما ثابر دونالد ترامب على سياساته المجنونة، لا يستبعد أن يكون الخلاص في الخريف، أي في الانتخابات النصفية للكونغرس. اذا تغيرت المعادلة وتحول الديمقراطيون الى اكثرية، تكون العودة المتعرجة، والمتدرجة، الى فلسفة باراك أوباما.

ضبط الايقاع في الشرق الأوسط لا يكون بالانزال العشوائي على كل الجبهات، وانما بالقيادة من الخلف، والأولوية للقفازات الحريرية.

دائماً، بالأصابع الأميركية، وسواء كانت الأصابع الغليظة ام أصابع الليدي غاغا…

مواضيع ذات صلة